أنوار الفقاهة في شرح تحرير الوسيلة (كتاب الحدود) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٤ - المقام الرابع في مقدار التعزير
والذي يتحصّل من جميع ما ذكرنا أنّ الأخذ بما نسب إلى المشهور من كونه أقلّ الحدّ- في كلّ مورد بحسبه- هو الأقوى في النظر، فالحاكم مخيّر في التعزيرات بين مراتبها إذا لم يبلغ الحدّ، فإذا كان من جنس الزنا «كمقدّماته» فهو دون المئة وإن كان من جنس القذف كالسبّ وشبهه، فهو ما دون الثمانين إلى غير ذلك وما لم يكن له نظير، كالتطفيف والاختلاس وعمل الطرّار وأكل لحم الخنزير وغير ذلك، يقاس بأقلّ الحدود- في الحرّ دون الثمانين وفي المملوك دون الأربعين- على الأحوط إذا لم يكن له مقدار مقرّر وإلا فهو مقدّم.
بقي هنا امور:
الأمر الأوّل: وهو أن تخيير الحاكم- كما ذكرنا غير مرّة- ليس بمعنى الأخذ بما يوافق ميله وطبعه، بل بما يوافق المعصية من حيث الشدّة والضعف، ويوافق حال المجرم من حيث القوّة وعدمها كما عرفت التصريح به في حديث حمّاد.
وإن شئت قلت: الحكم في الواقع في كلّ مورد معيّن وإنمّا يحصل التخيير من مقايسة المصاديق المختلفة بعضها مع بعض.
ثمّ إنّه هل اللازم ملاحظة هذين الأمرين- الذنب وقوّة الرجل- فقط أم يلاحظ سائر الجهات المخفّفة والمشدّدة، فيكون ذكر الأمرين من باب ذكر أشهر الجهات في التفاوت بين الناس وإلا توجد جهات اخرى أيضاً؟ والأقوى هو الثاني- لما عرفت- فإذن يمكن ملاحظة الجهات التالية أيضاً.
١- علم العاصي ومعرفته بما يقترف، فالعالم يعاقب بأشدّ من معاقبة الجاهل كما هو كذلك في العقوبات الدلالية على ما ورد في الأخبار من أنّ الله يتجاوز عن سبعين ذنب من الجاهل قبل أن يتجاوز عن ذنب واحد من العالم (لعلّ مضمون الحديث كذلك).