أنوار الفقاهة في شرح تحرير الوسيلة (كتاب الحدود) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٥ - حكم التوبة هنا
إذا قامت البيّنة عليه لا يجوز للإمام العفو عنه. وليعلم أنّه ليس فيه دلالة على أنّ التوبة قبل البيّنة مسقطة حتّى يجوز الاستدلال به للمسألة السابقة.
ولكن ذهب المفيد (قدس سره) فيما عرفت من كلامه إلى تخيير الإمام، وحكاه صاحب «الجواهر» عن الحلبيين وهما أبو الصلاح الحلبي وابن زهرة أيضاً.
ولعلّهم نظروا إلى إطلاق بعض روايات العفو أو إلى أصالة البراءة، والإنصاف عدم جواز الاستناد إلى الإطلاق لو كان هناك إطلاق معتبر- بعد ما عرفت من الدليل على التقييد بخصوص الإقرار- وكذا الاستناد إلى الأصل بعد ثبوت الدليل الاجتهادي.
الفرع الثاني: وهو أنّ الإمام (ع) مخيّر لو كانت التوبة بعد الإقرار، والظاهر أنّه ممّا لا خلاف فيه بينهم، وقد عرفت دعوى ذلك في كلام صاحب «الرياض» ويدلّ عليه روايات كثيرة:
١- ما رواه مالك بن عطيّة في الصحيح عن الصادق (ع) والحديث طويل قد مرّ ذكره يبحث عن رجل أوقب غلاماً فجاء واعترف عند أمير المؤمنين (ع) ليطهّره وتهيّأ لأن يحرق بالنار، وفي ذيله: «فقال له أمير المؤمنين (ع): «قمياهذا فقد أبكيت ملائكة السماء وملائكة الأرض فإنّ الله قد تاب عليك»[١].
لكنّها مطلقة ليس فيها التقييد بالتوبة بالمعنى الذي عرفت وهو الصلاح الفعلي والعملي، اللهمّ إلا أن يقال: إنّ أفعال الرجل كانت من مصاديق من صلح أمره وعرف منه أمر جميل يدلّ على صدق نيّته ودوام توبته، وليس ببعيد، لا سيّما مع ما في قوله: «إنّ الله قد تاب عليك» من الإشعار بذلك، ولكن مع ذلك يكون المورد من مصاديق التوبة على هذه الفرضية المقبولة، لا أنّ فيه التقييد بها،
[١]. وسائل الشيعة ١٦٢: ٢٨، كتاب الحدود والتعزيرات، أبواب حدّ اللواط، الباب ٥، الحديث ١.