أنوار الفقاهة في شرح تحرير الوسيلة (كتاب الحدود) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧٢ - تتمة الكلام في حد المسكر
قال ابن قدامة في «المغني»: «لا يجب الحدّ حتّى يثبت شربه بأحد شيئين: الإقرار أو البيّنة، ويكفي في الإقرار مرّة واحدة في قول عامّة أهل العلم»[١].
قلت: قد مرّ نظيره في المباحث السابقة وأنّ مقتضى إطلاقات أدلّة اعتبار الإقرار وعموم إقرار العقلاء على أنفسهم جائز وبناء العقلاء عليه في كافّة امورهم، ولم يرد ردع عنه في الشرع، هو الاكتفاء بالمرّة.
ويؤيّده أيضاً إطلاق ما ورد في الإقرار بشرب الخمر[٢]، ولكن ذهاب المشهور إلى اعتبار التعدّد في هذا المقام وغيره من أبواب الحدود عدا ما استثنى يوجب التوقّف عن إجراء الحدّ بالإقرار بمرّة واحدة، لأنّه من المصاديق الواضحة للشبهة، لأنّه من البعيد جدّاً ذهاب هؤلاء الأعلام إلى اعتبار التعدّد في مثل هذا المقام الذي لا يتطرّق إليه اعتبار عقلي بدون نصّ ثابت عندهم، فلو لم يكن هذا من مصاديق الشبهة فماذا تكون الشبهة، لا سيّما مع ذهاب أهل الخلاف إلى كفاية المرّة الواحدة.
الفرع الثاني: يعتبر في الإقرار هنا ما يعتبر في سائر المقامات، وهو الامور الخمسة: البلوغ والعقل، والاختيار، والقصد والحرّية، والدليل عليه ما مرّ في المباحث السابقة، مضافاً إلى وضوحها من جهة اعتبارها عند العقلاء وردع الشرع عنه.
ومن لوازم ذلك ما ذكره في «التحرير» من أنّه لابدّ أن يقترن الإطلاق بشيء يُجيز الشرب، مثل التداوي والإكراه، لسقوطه عن الاعتبار، وكذلك إذا لم تكن هناك قرينة مقالية على التقييد، بل قامت قرينة مقامية عليه، كما إذا كان أسيراً
[١]. المغني، ابن قدامة ٣٣١: ١٠.
[٢]. وسائل الشيعة ٢٦: ٢٨، كتاب الحدود والتعزيرات، أبواب مقدّمات الحدود، الباب ١٢، الحديث ١؛ وأيضاً: ٢٣٢، أبواب حدّ المسكر، الباب ١٠، الحديث ١.