أنوار الفقاهة في شرح تحرير الوسيلة (كتاب الحدود) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧٠ - المقام الثاني ما يجب فيه التعزير وما لا يجب
بكل إخلال بواجب وإتيان كلّ قبيح لم يرد الشرع بتوظيف الحدّ عليه»[١].
إلى غير ذلك من كلمات أكابر الأصحاب، والإنصاف أنّه لم يرد دليل يدلّ على تقييده بالكبائر، بل الأدلّة الثلاثة السابقة كلّها تدلّ على العموم.
توضيح ذلك: أنّ أدلّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما كان منها وظيفة الحاكم الشرعيّ عامّ شامل لجميع الواجبات والمحرّمات صغيرة كانت أو كبيرة. نعم، التعزير في الصغائر أخفّ من الكبائر عادةً، ولعلّ صاحب «الجواهر» (قدس سره) نظر في تقييده إلى أنّه لا يمكن الإلزام بضرب من ارتكب معصية صغيرة أو شيئاً واجباً يكون تركه من الصغائر، ولكن قد عرفت أنّ التعزير لا ينحصر في الضرب، بل قد يكون بنهي مجرّد من كلّ شيء أو مشتمل على التوبيخ لفظاً أو شبه ذلك.
أو نظر إلى ما ورد في القرآن الكريم من قوله تعالى: إنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلًا كَرِيماً[٢]، ولكنّها واردة في مورد خاصّ وهو من اجتنب الكبائر ولعلّنا نلتزم بأنّ صغائره التي لم يصرّ عليها مكفّرة لا تعزير فيها.
ولنعم ما قال صاحب «كشف اللثام»: «ثمّ وجوب التعزير في كلّ محرّم من فعل أو ترك إن لم ينته بالنهي والتوبيخ ونحوهما فهو ظاهر لوجوب إنكار المنكر ... ويمكن تعميم التعزير في كلامه- كلام العلامة- وكلام غيره لما دون الضرب من مراتب الإنكار»[٣].
بل قد عرفت أنّ الحكم من دون ضمانة إجرائية لا يعدّ حكماً وقانوناً، بل هو أشبه شيء بالوصايا الأخلاقية.
[١]. السرائر: ٥٣٥.
[٢]. النساء( ٤): ٣١.
[٣]. كشف اللثام ٥٤٤: ١٠.