أنوار الفقاهة في شرح تحرير الوسيلة (كتاب الحدود) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٠ - المقام السادس هل للحاكم الشرعي العفو منه؟
هذا، والإنصاف أنّ شيئاً من الحدود والتعزيرات ليست من حقوق الناس فقط، بل لها صبغة إلهية دائماً من باب كونها مصداقاً للنهي عن المنكر بمعناه العامّ وهو من حقوق الله تعالى.
وإن شئت قلت: السرقة مثلًا لها جهتان غصب لحقوق الناس ومعصية الله، والتعزيرات والحدود ناظرة إلى كليهما فيجوز للحاكم إذا رأى المصلحة أن يعفو عنها.
هذا، ولكنّ الظاهر أنّه لا خلاف في الفرق بين ثبوت الموضوع في باب الحدود بالبيّنة أو الإقرار، ففي الأوّل ليس للحاكم العفو في الحدود وإنّما يجوز له العفو في الثانية كما صرّح به صاحب «تحف العقول» في حديث عن أبي الحسن الثالث (ع) حيث قال: «أمّا الرجل الذي اعترف باللواط فإنّه لم يقم عليه البيّنه وإنّما تطوّع بالإقرار من نفسه وإذا كان للإمام الذي من الله أن يعاقب عن الله كان له أن يمنّ عن الله ...»[١]. والظاهر أنّ هذه الرواية منجبرة بالشهرة.
فهل التعزيرات أيضاً كذلك لا يجوز العفو عنها إلا في موارد الإقرار؟
قد يتصوّر أنّها كذلك لعين التعليل الموجود في الحديث.
ولكنّ الإنصاف جواز العفو في التعزيرات مطلقاً إذا حصلت الغاية فيها وهو التأدّب والتنبّه والردع عن المعصية فيجوز للحاكم الشرعي العفو عنها كلًا أو بعضاً إذا كانت المصلحة تستوجب ذلك.
ومن هنا يعلم الوجه فيما تعارف في عصرنا من العفو عن المحكومين بالسجون التعزيرية سواء في حقوق الناس، إذا أدّوا إلى صاحب الحقّ حقّه كأداء الدين أو حقوق الله، وأنّه قد يعفى عن بعض مدّة سجنهم إذا ظهرت فيهم آثار الصلاح، أو يُعفى عن بعض من أوّل أمره.
[١]. وسائل الشيعة ٤١: ٢٨، كتاب الحدود والتعزيرات، أبواب مقدّمات الحدود، الباب ١٨، الحديث ٤.