أنوار الفقاهة في شرح تحرير الوسيلة (كتاب الحدود) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٦ - المقام الثالث ما هو التعزير؟
بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن اميّة- وذلك أنّهم تخلّفوا عن رسول الله (ص) ولم يخرجوا معه لا عن نفاق، بل عن توان ثمّ ندموا، فلمّا قدم النبي (ص) إلى المدينه جاؤوا إليه واعتذروا، فلم يكلّمهم النبي (ص) وتقدّم إلى المسلمين أمرهم، بأن لا يكلّمهم أحد فهجرهم النّاس حتّى الصبيان، وجاءت نساؤهم إلى رسول الله (ص) فقلن: يا رسول الله (ص) نعتزلهم، فقال: لا ولكن لا يقربوكنّ فضاقت عليهم المدينة فخرجوا إلى رؤوس الجبال وكان أهاليهم يجيئون لهم بالطعام ولا يكلّمونهم، فقال بعضهم لبعض: قد هجرنا الناس ولا يكلّمنا أحد منهم فهلا نتهاجر نحن أيضاً فتفرّقوا ولم يجتمع منهم اثنان وبقوا إلى ذلك خمسين يوماً يتضرّعون إلى الله تعالى ويتوبون إليه، فقبل الله تعالى توبتهم وأنزل فيهم هذه الآية؛ هكذا ذكره صاحب «مجمع البيان» وقريب منهما ذكر جماعة آخرون.
ومن الجدير بالذكر أنّ قوله تعالى: خُلّفوا فسّره بعضهم بأنّهم خلّفوا عن قبول التوبة، وقال بعض آخر: إنّ المراد خُلِّفوا بعد أن تخلّفوا، وفي بعض الروايات خالفوا، ولكن يحتمل أن يكون التعبير ب- خُلّفوا مع أنّهم تخلّفوا من باب العنايات الإلهية، فإنّ الآية نزلت بعد قبول توبتهم فكأنّه أراد الله أن يعذّرهم في ذلك بأنّهم خلّفوا لا تخلّفوا فإنّ الله ربّ رحيم لا يعاتب العبد بعد قبول توبته!
وعلى كلّ حال فقد كان هذا تعزيراً لهم ولغيرهم من جانب النبي (ص) وبأمره لم يكن فيه ضرب ولا حبس ولا أخذ مال ولكن كان أثره عليهم أشدّ من كلّ سجن، لأنّ الأرض ضاقت عليهم بما رحبت وتركهم الناس جميعاً حتّى أهلهم وضاقت عليهم أنفسهم، كأنّه إشارة إلى تفرّقهم وهجر كلّ منهم للآخر حتّى ظنّوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه.
فلو أنّ المسلمين في كلّ عصر أخذوا بهذا التعزير في الموارد المهمّة بأمر من الحاكم الشرعي لأصبحت مقاطعة المجتمع الإسلامي لهم أشدّ عليهم من السجون