مناهج الأحكام في مسائل الحلال و الحرام - القمّي، الميرزا أبو القاسم - الصفحة ٥٤ - الخامس الأخبار الّتي تدلّ بظاهرها على الاستحباب،
و أمّا التأكيدات و التشديدات في الأخبار المتظافرة فلا يضرّ ما ذكرنا، و حكاية تلك التشديدات بعينها كالتشديد في الجهاد، و قد أشرنا سابقاً، و أيضاً مثل ذلك في صلاة العيد موجود أيضاً، مع أنّ القائل بوجوبه حال الغيبة غير معلوم.
و بعد ما عرفت أنّ أدلّة العينيّة أضعف من أدلّة المذهبين الآخرين فلا يمكن المصير إليه.
و أمّا المذهبان الآخران، فإن كان الأمر على ما قلنا من ترجيح أدلّة المخيّرين فيثبت مطلوبنا من التخيير، و إلّا فلا أقلّ من التساوي و التعارض و التساقط.
و المحقَّق عند المحقِّقين فيما تعارض فيه النصّان الرجوع إلى أصل البراءة و الإباحة، و هو يفيد التخيير، و تدلّ عليه الأخبار أيضاً، كما هي مذكورة في مواضعها، مثل قولهم (عليهم السلام): «بأيّهما أخذت من باب التسليم وسعك» [١] و نحو ذلك، فيثبت المطلوب أيضاً.
و أمّا على مذهب الأخباريّين فيجب الاحتياط.
إلّا أنّ ما ذكرنا من التخيير بعد اشتغال الذمّة بمجمل يقيناً لا يخلو من إشكال، بل يرجع فيه الكلام بعينه إلى نظير ما ذكرناه سابقاً في المباحث المتقدّمة.
مع أنّ التخيير بين الوجوب و الحرمة لا يتمّ إلّا بتكلّف، فلا بدّ من تخصيص هذه القاعدة بما أمكن التخيير فيه، و كان ممّا لم يعلم التكليف بالقدر المشترك بينهما إجمالًا، فلو لم يظهر الترجيح لأحدهما فيجب الإتيان بهما معاً من باب المقدّمة و تحصيل البراءة اليقينيّة، فلم يبق للتحريم وجه، و الاحتياط هو الإتيان بكليهما.
لا يقال: كيف يحصل الاحتياط الّذي هو واجب في حال و وجه و مستحبّ في حال و وجه بفعل الحرام؟
قلت: حرمة الجمعة عند القائل بتحريمها لعلّه إنّما هو إذا جعلت مسقطاً للظهر، و أمّا بدونه فغير معلوم، مع أنّ الحرمة إنّما هو عند من رجّحها، و أمّا من لم يترجّح
[١] وسائل الشيعة: ج ١٨ ص ٧٧ ب ٩ من أبواب صفات القاضي ح ٦.