مناهج الأحكام في مسائل الحلال و الحرام - القمّي، الميرزا أبو القاسم - الصفحة ٧٥٨ - الثالث الصلاة في المواطن الأربعة
ما ذكرنا من الأخبار الكثيرة، فإبقاء هذه الثلاثة علىٰ حالها يستلزم اطراح الأخبار الكثيرة، و حملها على التقيّة ممّا يأباه نفس الأخبار، فإنّ من تتبّع تلك الأخبار و تأمّل فيها يظهر عليه أنّ ذلك حكم مختصّ بتلك الأماكن، فإنّه لا اختصاص للتقيّة بهذه المواضع المخصوصة.
و تداول السؤال عن تلك المواضع في ألسنة الرواة، و سؤالهم عن خصوصها، و إنشاء المعصوم (عليه السلام) الحكم معنوَناً بهذه المواضع، بل و في بعض الأخبار نفي ذلك عن غير تلك المواضع كصحيحة مسمع «قال: كان أبي يرىٰ لهذين الحرمين ما لا يراه لغيرهما» ينفي ذلك، إذ إنكارهم تعيّن القصر ليس في خصوص هذه المواضع.
نعم يصحّ ذلك لو ثبتت التفرقة عند العامّة بالنسبة إلىٰ هذه المواضع، و ثبت أنّ الأفضل عندهم الإتمام فيها.
فاحتمال كون تلك الأخبار موافقة للتقيّة لا يقاوم الجزم بموافقة تلك الأخبار المعتبرة الظاهرة الدلالة لعمل الطائفة المحقّة، بل و إجماعهم علىٰ ذلك مع كثرتها و أوفقيّتها للاعتبار.
فإن قلت: أكثر تلك الأخبار ممّا أُمر فيها بالإتمام، و هو يقتضي وجوبه عيناً، و أنت لا تقول به، و حمل الأمر على الاستحباب ليس أولىٰ من تقييدها بما لو نوى الإقامة، و أيضاً النسبة بينها و بين الأخبار الدالّة علىٰ عموم التقصير عموم من وجه: فإنّها تدلّ علىٰ الإتمام سواء قصد الإقامة أم لا، و أخبار التقصير يدلّ على التقصير سواء كان في تلك الأماكن أو غيرها، فما وجه الترجيح. فلم يبق من أدلّتكم إلّا ما دلّ صريحاً على التخيير، و ما دلّ على الاستحباب صريحاً أو تلويحاً، و ذلك لا يقاوم أدلّتنا.
قلت: ما أُمر فيه بالإتمام بعضها مؤدّاة بأنّ ذلك من «الأمر المخزون» و «الأمر المذخور»، و ذلك أعمّ من الإيجاب، و بعضها بالجملة الخبريّة المضارعيّة، و تلك أيضاً غير صريح فيه، و بعضها أوامر، سلّمنا دلالة الكلّ على الوجوب لكنّ المقام كاشفة عن الاستحباب