هدى الطالب في شرح المكاسب - المروج الجزائري، السيد محمد جعفر - الصفحة ٢٢١ - أ المنفعة المستوفاة
في المقام، فقاعدة نفي الضرر لا تنفيه ليثبت الجعل الشرعي كالضمان.
و لكن يمكن دفع هذه المناقشة بأنّ العدم تارة يراد به العدم الواقعي كعدم الوجوب و عدم الحرمة. و أخرى يراد به إنشاء عدمهما، كأن يقول الشارع «لا يجب أو لا يحرم».
فإن أريد بالعدم المعنى الأوّل لم يرتفع بقاعدة الضرر، لعدم كونه حكما حتى يرفعه دليل نفي الضرر.
و إن أريد به المعنى الثاني كان مجعولا مشمولا لقاعدة نفي الضرر، و الأعدام بعد تشريع الأحكام تكون مجعولة و لو بالإمضاء، لأنّ إبقاء الشارع لها مع تشريع الأحكام جعل لها بقاء، لا إخبار ببقاء الأعدام الواقعية على حالها كما تخيّله بعض. و هذا المقدار من الجعل كاف في نفيها بقاعدة الضرر، لأنّ إمضاء تلك الأعدام- و لو بمثل أصالة عدم الضمان- من الإسلام أيضا، فيشمله قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لا ضرر و لا ضرار في الإسلام» أو «في الدين». فعدم ضمان المنافع المستوفاة حكم ضرريّ ينفى بقاعدة الضرر.
و الحاصل: أنّ إبقاء عدم ضمانها حكم ضرريّ ينفى بقاعدته.
هذا بناء على كون مفاد قاعدة نفي الضرر نفي نفس الحكم الضرري كما عليه المصنّف (قدّس سرّه).
و أمّا بناء على كون مفادها نفي الحكم بلسان نفي الموضوع فالأمر أوضح، لأنّه يقال: إنّ استيفاء المنافع مجّانا ضرريّ، أو تفويت منافع العين المملوكة للغير بإمساك العين ضرريّ، فيرتفع حكمه أعني عدم الضمان و يثبت الضمان.
لا يقال: إنّ المقام يكون من تعارض الضررين، لأنّ اشتغال ذمّة القابض ضرر أيضا كتضرّر الدافع.
فإنّه يقال: إنّ الضرر- و هو النقص- لا يرد على الدافع، لأنّه يدفع بدل المنفعة التي استوفاها، لا أنّه يتضرّر حتى يندرج في تعارض الضررين، فإنّ دفع عوض المال الذي دخل في كيسه ليس نقصا في المال، بل دفع لمال الغير، كأداء الثمن.
و منها: قاعدة الاستيفاء، فإنّ استيفاء مال الغير من دون إذن المالك في استيفائه مجّانا موجب للضمان إجماعا، و عليه السيرة العقلائيّة التي لم يردع عنها الشارع.
و هذه الوجوه لو نوقش في بعضها ففي البعض الآخر منها كفاية.