تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٥٢٩ - حوادث ما بعد الحرب
إليه أحد قابل إحسانه بما يزيد عليه أضعافا مضاعفة. و كان ذلك من أبرز صفاته و أخلاقه (صلّى اللّه عليه و آله).
فقد رضع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و ترعرع في قبيلة بني سعد التي هي من قبائل هوازن، و قد ارضعته امرأة من هذه القبيلة تدعى «حليمة السعدية»، و قد بقي في تلك القبيلة خمسة أعوام.
(١) و قد شاركت قبيلة بني سعد في معركة حنين ضدّ الاسلام فسبيت بعض نسائهم و أطفالهم على أيدي المسلمين، كما وقعت بعض أموالهم بأيديهم أيضا، و قد ندمت على فعلها ندما شديدا.
و قد كانوا يعلمون أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) نشأ و ترعرع فيهم، و رضع بلبن نسائهم هذا من ناحية، و من ناحية اخرى كانوا يعرفون أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ملء قلبه الرحمة و المروءة و معرفة الجميل، فاذا سنح لهم أن يذكّروه بذلك لأطلق أسراهم حتما.
فقدم أربعة عشر رجلا من رؤسائهم الذين كانوا قد أسلموا جميعا «الجعرانة» على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و قد أمّروا على أنفسهم شخصيتين من رجالهم أحدهما هو «زهير بن صرد» و الآخر عم للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) من الرضاعة، فقالوا: يا رسول اللّه إنّما في هذه الأسرى من يكفلك من عماتك و خالاتك، و حواضنك، و قد حضنّاك في حجورنا و ارضعناك بثدينا، و لقد رايتك مرضعا فما رأيت مرضعا خيرا منك، و رأيتك فطيما فما رأيت فطيما خيرا منك، و رأيتك شابا فما رأيت شابا خيرا منك، و قد تكاملت فيك خلال الخير، و نحن مع ذلك أهلك و عشيرتك فامنن علينا منّ اللّه عليك.
و قال زهير بن صرد: يا رسول اللّه إنّما في هذه الحظائر عماتك و خالاتك و حواضنك اللاتي كنّ يكفلنك، و لو أننا ملحنا للحارث بن أبي شمر، أو النعمان بن المنذر، ثم نزل منا بمثل الذي نزلت به رجونا عطفه و عائدته علينا و أنت خير المكفولين.