تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٤٨٨ - أبو سفيان يرجع إلى مكة
المهاجرين و الانصار، و النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) يحدّثهم.
فارعبت عظمة هذه الكتيبة أبا سفيان، بشدة، حتى أنه قال للعباس من دون اختيار: ما لأحد بهؤلاء قبل و لا طاقة يا أبا الفضل! و اللّه يا ابا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما.
فقال له العباس- بنبرة موبّخة-: ويحك يا أبا سفيان ليس بملك إنّها النبوّة.
فليس هذه العظمة و الجلال من أثر الملك المادّي الدنيوي إنما هو هو فعل الرسالة الالهية، إنه جلال النبوة، و انه بالتالي من فضل اللّه عزّ و جلّ الذي أدخل الاسلام في قلوب هذه الجماهير المؤمنة، و هذه الجموع المجاهدة في سبيل اللّه.
(١)
أبو سفيان يرجع إلى مكة:
إلى هنا قام العباس بدوره على أفضل صورة، فقد أرعب أبو سفيان من قوة الاسلام العسكرية الكبرى، و لهذا رأى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أن يخلّى سبيله ليذهب إلى مكة قبل دخول جنود الاسلام فيها، فيخبر أهلها بعظمة و قوة الجيش الاسلامي القادم إليهم، و يحذّرهم من مغبة المقاومة و المواجهة، و يدلهم على طريق الخلاص و النجاة، و هو التسليم للأمر الواقع، و القاء السلاح، و الاستسلام من دون قتال و مقاومة، و من دون قيد و شرط، لأن بمجرد تخويف أهل مكة من دون إرشادهم إلى طريق الخلاص ما كان ليتحقق هدف النبي الاكرم (صلّى اللّه عليه و آله)، و هو الفتح من دون دماء.
(٢) فدخل أبو سفيان مكة، و قد بات الناس ليلتهم في رعب شديد، و ترقّب رهيب حتى أصبحوا، و لم يكن بامكانه أن يقرّروا شيئا من دونه، فلما رأوه قادما أحاطوا به، فاخذ يشير الى ناحية المدينة، و قد اصفرّ وجهه، و انهارت قواه و صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمّد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، أو قال:
هذا محمّد في عشرة آلاف فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن. و من ألقى السلاح فهو آمن، و من دخل المسجد فهو آمن، و من أغلق بابه فهو آمن.