تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٣٤٣ - و القصّة التالية تشهد بما نقول
(١) و كان أبو جندل قد بلغه أمر المفاوضات هذه، فهرب من محبسه و انفلت الى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) سالكا إليه طرقا وعرة في الشعاب، و الوديان.
فلما رأى «سهيل» ابنه أبا جندل و قد هرب من سجنه، و لجأ إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قام إليه فضرب وجهه، و اخذ بتلابيبه ثم قال: يا محمّد لقد تمت القضية بيني و بينك قبل أن يأتيك هذا، و هذا يا محمّد أول من أقاضيك عليه أن ترده.
و لا شك أن كلام «سهيل» كان باطلا، و لا مبرر لطلبه، لأن الميثاق لم تتم كتابته على الورق، و لم يوقع عليه الطرفان، و لم ينته- بالتالي- من مراحله النهائية و الأخيرة بعد، فكيف يمكن الاستناد إليه، و لهذا أجابه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قائلا:
«إنا لم نرض (نقض) بالكتاب بعد» [١]
(٢) فقال سهيل: إذا و اللّه لا اصالحك على شيء أبدا، حتى ترده إليّ، و لم يزل يصرّ على كلامه و رفضه هذا حتى أنزعج اثنان ممّن رافقه من شخصيات قريش هما مكرز و حويطب من تصلب سهيل و تشدده.
ثم قاما و أخذا أبا جندل من أبيه و أدخلاه خيمة و قالا: نحن نجيره.
و لقد فعلا ذلك حتى ينهيا ذلك التنازع، و الجدال، و لكن إصرار سهيل على موقفه، أبطل تدبيرهما اذ قال: يا محمّد لقد لجّت القضية بيني و بينك قبل ان ياتيك هذا [٢].
فاضطرّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى أن يقوم بآخر سعي في طريق الحفاظ على الهدنة و الصلح الذي كان له أثر عظيم في انتشار الاسلام، و لهذا رضى بردّ أبي جندل إلى والده، لإعادته الى مكة، ثم قال لذلك المسلم الاسير تطييبا لخاطره:
[١] بحار الأنوار: ج ٢٠ ص ٣٣٤.
[٢] السيرة الحلبية: ج ٣ ص ٢١ لجّت: وجبت و تمت.