تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٦٢٩ - ٦١ حجة الوداع
(١) و لكن تقادم العهد، و انقطاع شعب الحجاز عن قيادة الأنبياء، و أنانية قريش، و سيادة الوثنية على عقول العرب أوجب أن تتعرض مراسم الحج و مناسكه- من حيث الزمان و المكان- لعملية تحريف و تغيير، و ان تفقد صبغتها الحقيقية و وجهها الواقعيّ.
لهذه الجهات امر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في السنة العاشرة من الهجرة، و من قبل اللّه سبحانه ان يشارك في مراسم الحج شخصيا، و يقوم بتعليم مناسك الحج للناس، و يوقفهم على واجباتهم في هذه العبادة الكبرى عمليا، كما يقوم بإزالة كلّ ما علق بها من زوائد طيلة السنوات الغابرة، و يعيّن حدود «عرفات» و «منى» و يوم الإفاضة منها و لهذا فانّ السفر كان سفرا ذا طابع تعليمي، قبل أن يكون ذا طابع سياسيّ و اجتماعي.
(٢) أمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في الشهر الحادي من العام العاشر للهجرة (أي شهر ذي القعدة) بأن ينادى في المدنية و بين القبائل بأن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقصد مكة للحج هذا العام، فاحدث هذا الاعلان شوقا و ابتهاجا عظيمين في نفوس جمع كبير من المسلمين، فتهيّأ عدد هائل منهم لمرافقة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و ضربت مضارب و خيم كثيرة خارج المدينة المنورة بانتظار حركة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و توجّهه الى مكة [١].
و في اليوم السادس و العشرين من شهر ذي القعدة خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من المدينة متوجها الى مكة و قد استخلف مكانه في المدينة أبا دجانة الانصاري، و قد ساق معه ما يزيد عن ستين بدنة.
و عند ما بلغ الموكب النبوي العظيم إلى «ذي الحليفة» (و هي نقطة فيها مسجد الشجرة أيضا) أحرم بلبس قطعتين عاديتين من القماش الأبيض من مسجد الشجرة، و دخل الحرم، و لبّى عند الاحرام قائلا:
[١] السيرة الحلبية: ج ٣ ص ٣٨٩.