تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٤٤٦ - جيشا الروم و الاسلام يتواجهان
فقال البعض: نكتب الى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فنخبره الخبر، فإما يردنا و إما يزيدنا رجالا. و كاد هذا الرأى ان يلقى قبولا من المشاورين الآخرين لو لا أن «عبد اللّه بن رواحة» الذي طلب ساعة خروجه من المدينة من اللّه ان يرزقه الشهادة كما اسلفنا، شجعهم على الصمود و قال: «و اللّه ما كنا نقاتل الناس بكثرة عدد، و لا بكثرة سلاح، و لا بكثرة خيول، إلا بهذا الدين الذي أكرمنا اللّه به، انطلقوا، و اللّه لقد رأيتنا يوم بدر ما معنا إلّا فرسان، و يوم احد فرس واحد، و إنما هي إحدى الحسنيين، إما ظهور عليهم، فذلك ما وعدنا اللّه و وعدنا نبينا، و ليس لوعده خلف، و إما الشهادة فنلحق بالإخوان نرافقهم في الجنان».
(١) فقوّت هذه الخطبة الحماسية الصادقة معنويات المقاتلين المسلمين و بثت فيهم روح البسالة و المقاومة.
ثم تواجه الجيشان في منطقة تدعى «مشارف» و لكن جنود الاسلام تأخروا و انسحبوا قليلا لبعض العلل، و نزلوا في مؤتة. فقسم جعفر بن أبي طالب قائد الجيش، جنود الاسلام إلى اقسام: مختلفة، و أمّر على كل قسم اميرا، ثم بدأت المبارزة الفردية على نحو ما كان متعارفا في حروب العرب، فكان على جعفر ان ياخذ اللواء بيده و يوجّه صفوف المقاتلين المسلمين، و يقاتل في نفس الوقت.
ثم اننا نكتشف مدى الشجاعة الروحية و ثبات الارادة لتحقيق الهدف من خلال الرجز الذي أنشده «جعفر» خلال القتال فقد أخذ يرتجز و يقول:
يا حبّذا الجنة و اقترابها--طيبة و باردا شرابها
و الروم روم قد دنا عذابها--كافرة بعيدة أنسابها
عليّ إذ لاقيتها ضرابها [١]
(٢) و لقد قاتل قائد الجيش الاعلى (جعفر) قتالا عظيما، فلما حاصره الأعداء في ساحة القتال و أيقن بالشهادة وثب الى الارض ثمّ عقر فرسه في الحال لكي
[١] السيرة النبوية: ج ٢ ص ٣٧٨.