تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٤٧٠ - جاسوس يكتشف!
و المسلمين، فقد كان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يعرف جيدا أنه لو ازيلت الموانع و رفعت عن طريق الدعوة الاسلامية لترك منطق الدين الحنيف أثره في المجتمع الحرّ، و كان يعلم بأن الذين يعقدون الاجتماعات، و يقيمون التحالفات النظامية ليحولوا دون تقدم الاسلام، و انتشاره، لو جرّدوا من أسلحتهم، و انهيت حالة الحرب بينهم و بين الاسلام، و تركوا فكرة التغلب على الاسلام عن طريق القوة العسكرية، و سمعوا منطق الاسلام في جوّ بعيد عن صخب القتال، لانجذبوا إلى عقيدة التوحيد بدافع الفطرة و هدايتها، و لاستجابوا لنداء الضمير، و صاروا من أنصار الاسلام، و مؤيديه المخلصين الأوفياء.
(١) و لهذا السبب كانت الجماعات و الاقوام التي يتغلب عليهم جنود الاسلام، ثم يتسنى لهم مناخ التفكير الحرّ في العقيدة و التعاليم الاسلامية السامية في جوّ بعيد عن الضوضاء و الصخب، تنجذب إلى الاسلام، و ترغب فيه، و تعتنق بل تشمّر عن ساعد الجدّ لنشر العقيدة الاسلامية التوحيدية.
و قد تجلّت هذه الحقيقة في موضوعنا الراهن و هو فتح مكة بصورة أكمل و أقوى، فقد كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يدرك جيّدا لو أنّه فتحت مكة، و جرّد العدوّ من السلاح و وفرت أجواء حرة آمنة بعيدة عن الكبت و الاضطهاد فانه لم يلبث أن يصبح هذا الفريق المعادي و المناهض للاسلام بشدة، من أنصار هذا الدين، و من المجاهدين الصادقين، الساعين في نشره.
و لهذا يجب التغلب على هذا العدوّ، و كسر شوكته، و لكن يجب عدم إفنائه و إبادته، بل ينبغي تجنب إراقة الدماء، و ازهاق الارواح ما أمكن.
(٢) و لأجل الوصول إلى هذه الغاية المقدسة (الغلبة على العدوّ من دون إراقة الدماء) استخدم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) اسلوب مباغتة العدوّ.
فقبل أن يفكّر العدوّ في الدفاع عن نفسه، و يجمع قواه، و يستعدّ للمواجهة، كان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يحاصر العدوّ في أرضه، و يجرّده من سلاحه، و يجهض محاولته، و مؤامرته.