تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٣٢٦ - ٤٢ رحلة سياسيّة دينيّة قصة الحديبية
هذه السنّة الدينية القديمة و يدعو إلى رعايتها خلافا لكل الدعايات التي كانت تبثها قريش عن أن الاسلام لا يحترم هذه الأشهر، و يجيز الاقتتال و سفك الدماء فيها.
(١) لقد فكر القائد الاسلاميّ مع نفسه بانه لو أصاب المسلمون في هذا السبيل أيّ نجاح، فانهم يكونون قد حققوا أملا قديما من آمالهم التي طالما تشوقوا إلى تحقيقها.
كما أنه سوف يستطيع المهاجرون الذي طال بعدهم عن وطنهم، و أهليهم، أن يزوروا ذويهم و أقربائهم. هذا إذا سمحت قريش لهم بدخول مكة.
و أمّا إذا منعتهم قريش عن الدّخول في الحرم فان مكانة قريش ستتعرض- حينئذ- لخطر السقوط في العالم العربي، و سيلومهم العرب على ذلك، لأن جميع ممثلي القبائل العربية المحايدة سترى كيف عاملت قريش جماعة مسالمة أرادت دخول مكة لأداء مراسيم العمرة، و زيارة الكعبة المعظمة، و لا تحمل معها أيّ سلاح إلّا ما يحمله المسافر في سفره عادة، في حين يرتبط المسجد الحرام بالعرب كافة، و انما تقوم قريش بمجرّد سدانته، و ادارة شئونه.
(٢) و هنا تتجلى حقانية المسلمين بشكل واضح، و يتضح عدوان قريش و ينكشف للجميع بطلان مواقفها، فلا تستطيع قريش بعد ذلك أن تواصل تأليبها للقبائل العربية ضدّ الإسلام، و عقد تحالفات عسكرية و اتحاد نظاميّ مع قواها المحاربة المسلمين لانها قد منعت الزوّار المسلمين أمام أعين الآلاف من الحجيج و الزائرين من حقهم المشروع.
لقد لا حظ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كلّ هذه الجوانب و غيرها فامر المسلمين بالتوجّه نحو مكة، و أحرم الف و اربعمائه [١] أو الف و ستمائة [٢] أو الف و ثمانمائة [٣] في «ذي الحليفة» و قلّد سبعين بدنة (بعيرا) و بهذا أعلن عن هدفه من تلك الرحلة.
[١] السيرة النبوية: ج ٢ ص ٣٠٩.
[٢] مجمع البيان: ج ٢ ص ٢٨٨.
[٣] روضة الكافي: ص ٣٢٢.