تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٥٧٧ - أخذ المتخلّفين بالعقاب النفسيّ
ذلك لملاقاة ما بدر منهم من تخلّف إلى الحضور عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) للتسليم عليه و تقديم التهاني إليه كما فعل الآخرون.
إلّا أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أعرض بوجهه عنهم و لم يكترث بهم، و عند ما تحدث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بالكلام في ذلك الاجتماع العظيم وسط موجة من الفرح و الابتهاج كان أوّل ما قاله هو:
«لا تكلمنّ أحدا من هؤلاء الثلاثة».
(١) و مع أن عدد المتخلفين كان يقارب التسعين شخصا، إلا أن اكثرهم حيث كانوا من المنافقين، و لم يكن يتوقع منهم أن يشاركوا المسلمين في جهاد العدوّ لهذا تركّز ثقل هذه القطيعة على هؤلاء المسلمين الثلاثة الذين كان بعضهم سبق منه أن اشترك في غزوة بدر مثل «مرارة» و «هلال»، و كانت لهم شخصية و مكانة بين المسلمين!!
و لقد تركت سياسة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الحكيمة التي كانت جزء لا ينفك من دينه أثرا عجيبا، فقد تعطّلت التجارة و الأخذ و العطاء مع المتخلفين، و كسدت بضائعهم، و لم يشترها أحد، و قطع أقرب أقرباء المخلّفين روابطهم و علاقتهم مع المخلفين المذكورين اتّباعا لأوامر النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و تركوا حتى الحديث العابر معهم.
ففعلت مقاطعة الناس للمخلفين فعلتها، و ضغطت عليهم نفسيا بشدة حتى ضاقت عليهم الأرض على رحابتها في نظرهم كما يقول القرآن الكريم.
«حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَ ضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ» [١].
(٢) و لكن هؤلاء الثلاثة المقرون بفراسة كاملة أدركوا أن العيش في البيئة الاسلامية لا يمكن إلا بالالتحاق الحقيقي بصفوف المسلمين، و أنه لا دوام لحياة الأقليّة الصغيرة أمام الاكثرية القاطعة، و بخاصة اذا كانت الأقلية تتألف من
[١] التوبة: ١١٨، و تذكر التفاسير كيفية توبتهم و إنابتهم على وجه التفصيل فليراجعها من يريده.