تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٥٧٥ - النية تقوم مقام العمل
بين «تبوك» و «المدينة»، و كانت تغمر جنود الاسلام فرحة كبيرة، و تظهر على كلماتهم و أعمالهم أمارات الاعتزاز لما أحرزوه من غلبة على العدوّ، و من أداء لحق الجندية، و كان السبب واضحا لأنّهم أرعبوا دولة قويّة سبق لها أن هزمت الامبراطورية الايرانية، فهم أخافوا الروم التي انسحبت من تبوك قبل وصول المسلمين إليها، و هم طوّعوا حكّام و زعماء المدن و المناطق الحدودية السورية و الحجازية، و أخضعوهم للدولة الاسلامية.
(١) لا شكّ أنّ الغلبة على العدوّ فخر عظيم أصاب هذا الجيش، و كان طبيعيا أن يفتخر أفراد هذا الجيش و يتباهوا على الذين تخلّفوا في المدينة من دون عذر، و لكن حيث أن مثل هذا النمط من التفكير و هذه العودة الظافرة كان من الممكن أن يوجد غرورا لدى البعض فيسيئوا إلى بعض الذين تخلّفوا في المدينة الذين بقوا فيها لعذر و قلوبهم مع جنود الاسلام، و يشاركونهم بافئدتهم في أفراحهم، و أتراحهم لهذا التفت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و هم على مشارف المدينة و قد توقّفوا خارج المدينة بعض الوقت:
«إنّ بالمدينة لأقواما ما سرتم سيرا و لا قطعتم واديا إلّا كانوا معكم».
قالوا يا رسول اللّه: و هم بالمدينة؟
قال: «نعم، حبسهم العذر» [١].
أجل أنهم كانوا يتشوّقون إلى الجهاد هذا الواجب الاسلامي الكبير، و لكن العذر منعهم من الاشتراك فيه.
(٢) إن النبي الاكرم بهذه العبارة المقتضبة اشار- في الحقيقة- إلى واحد من البرامج الاسلامية التربوية، و ذكّر بأن النية الطيبة و الفكر الصالح يقوم مقام العمل الصالح الطيب، و أن الذين يحرمون من القيام بالأعمال الصالحة لافتقادهم القدرة عليها أو فقدان الامكانيات يمكنهم أن يشاركوا الآخرين في
[١] السيرة الحلبية: ج ٣ ص ١٦٣، بحار الأنوار: ج ٢٠ ص ٢١٩.