تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٥٦٦ - إخباره بمغيّب آخر
«رحم اللّه أبا ذر يمشي وحده و يموت وحده و يبعث وحده» [١].
(١) و قد كشف المستقبل عن صحة هذه النبوءة، فقد توفي أبو ذر في صحراء «الربذة»، و عنده ابنته بعيدا عن الناس في حالة مأساوية [٢].
لقد تحققت نبوءة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في معركة تبوك بعد ثلاثة و عشرين عاما، فقد نفي هذا الصحابي المجاهد الصادق إلى الشام ثم الى الربذة لا لشيء إلّا لأنّه جهر بالحق، و طالب بالعدل، و فقد قواه و طاقاته البدنية شيئا فشيئا حتى غدى طريح الفراش، في تلك المنطقة الوعرة.
و فيما كان يمضي الدقائق الاخيرة من حياته الحافلة بالاحداث و التطورات، و امرأته جالسة عنده ترمق محيّاه المشرق المتعب و قد عرق جبينه، و هي تمسح بيدها العرق و تبكي قال لها: ما يبكيك؟
فقالت: أبكي أنه لا يد لي بتغييبك (أي ليس لي من يعيننى على دفنك، أ و ليس عندي ثوب يسعك كفنا)!
فارتسمت على شفتي أبي ذر ابتسامة مرّة و قال: لا تبكي عليّ، فاني سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ذات يوم و أنا عنده في نفر يقول: ليموتنّ رجل منكم بفلاة من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين (ثم قال:) فكلّ من كان معي في ذلك المجلس مات في جماعة و قرية، فلم يبق منهم غيري، و قد أصبحت بالفلاة أموت فراقبي الطريق، فانك سوف ترين ما أقول لك فاني و اللّه ما كذبت و لا كذبت.
قال هذا و فاضت روحه المباركة [٣].
(٢) و لقد صدق أبو ذر، فقد كانت ثمة قافلة من المسلمين تضم شخصيات
[١] السيرة النبوية: ج ٢ ص ٥٢٥.
[٢] المغازي: ج ٣ ص ١٠٠٠ و ١٠٠١.
[٣] اسد الغابة: ج ١ ص ٣٠٢، الطبقات الكبرى: ج ٤ ص ٢٢٣، حلية الاولياء: ج ١ ص ٣٠٢.