تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٧١ - نظرة الى مسألة «العريش»
(١) ثانيا: أنّ هذه القصة تتنافى مع الاخبار القطعية التي بشر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بها المسلمين في ضوء ما نزل عليه من آيات.
فهو (صلّى اللّه عليه و آله) قبل أن يواجه المسلمون قريشا قال لأصحابه الذين خرجوا معه من المدينة وعدهم إحدى الطائفتين، أي إما الظفر بقافلة قريش التجارية قطعا، أو الانتصار على الجيش المكي حتما و يقينا إذ قال اللّه تعالى:
«وَ إِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَ تَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَ يَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ» [١].
و إنما اقدم على بناء العريش لرسول اللّه- بناء على رواية الطبري- في الوقت الذي كانت قافلة قريش قد أفلتت و هربت من أيدى المسلمين، و لم يبق الّا الجماعة المسلحة التي خرجت لحماية القافلة، و كان المسلمون يعلمون- طبقا لذلك الوعد الإلهي القاطع- أنهم سينتصرون على تلك الجماعة الكافرة:
«و يقطع دابر الكافرين» فلم يكن المجال مجال تردد و شك.
و بهذا يكون حديث هزيمة المسلمين في هذه المواجهة و لزوم بناء عريش لحماية النبيّ و اعداد ابل سريعة السير عند العريش لينجو (صلّى اللّه عليه و آله) عليها بنفسه حديثا باطلا لا مبرّر له، و لا مسوّغ.
(٢) يقول ابن سعد نقلا عن عمر بن الخطاب قال: لما نزلت «سيهزم الجمع و يولّون الدبر» قلت: و أي جمع يهزم و من يغلب؟ فلما كان يوم بدر نظرت الى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يثب في الدرع وثبا و هو يقول: «سيهزم الجمع و يولّون الدبر» فعلمت ان اللّه تبارك و تعالى سيهزمهم [٢].
و مع هذا هل يحتمل أن يدور في خلد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و أصحابه شيء حول الهزيمة أو يحدثوا أنفسهم بالفرار؟
(٣) ثالثا: أن النبيّ الذي يصف الامام عليّ (عليه السلام) موقفه و حالته عند اشتداد ضراوة القتال لا تنسجم أبدا و لا تلائم هذا التكتيك الذي لا يتسم
[١] الأنفال: ٧.
[٢] الطبقات الكبرى: ج ٢ ص ٢٥.