تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٢٠٣ - كيد المستشرقين و جفاؤهم
عمرو»، فساروا حتى نزلوا ببئر معونة و هي بين أرض بني عامر و حرّة بني سليم و هم يحملون من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كتابا إلى عامر بن الطفيل أحد زعماء «نجد»، و كلّف أحد المسلمين بايصال ذلك الكتاب إلى عامر، فلما أتاه الكتاب لم ينظر فيه حتى عدا على الرجل (حامل الكتاب) فقتله، ثم استصرخ بني عامر على المبلّغين، فأبوا أن يجيبوه إلى ما دعاهم إليه، و قالوا: لن ننقض عهد أبي براء، و قد عقد لهم عقدا و جوارا.
(١) فاستصرخ عليهم قبائل بني سليم فأجابوه إلى ذلك فخرجوا حتى نزلوا حيث نزل جماعة الدعاة، فأحاطوا بهم في رحالهم، فلما رأوهم أخذوا سيوفهم، ثم قاتلوهم حتى قتلوا عن آخرهم بعد أن أبدوا مقاومة كبرى، و بسالة عظيمة، و لم يكن يتوقع منهم غير ذلك.
فانّ مبعوثي النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لم يكونوا مجرد رجال فكر و علم فقط، بل كانوا رجال حروب، و أبطال معارك، و لذا رفضوا الاستسلام للمعتدين، و اعتبروا ذلك عارا لا يليق بالمسلم الحرّ الأبيّ، فقاتلوهم حتى استشهدوا جميعا، إلّا كعب بن زيد، فانه جرح فعاد بجراحه الى المدينة، و أخبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بما جرى لأصحابه على أيدي قبائل بني سليم المشركة الغدرة.
فحزن رسول اللّه و المسلمون جميعا لهاتين الحادثتين، المفجعتين اشد الحزن بل و لم يجد على قتلى مثل ما وجد عليهم، و بقي رسول اللّه يذكر شهداء بئر معونة ردحا من الزمان [١]
هذا و لقد كانت هاتان الحادثتان المؤسفتان المؤلمتان جميعا من نتائج النكسة التي أصابت المسلمين في «احد» و التي جرّأت القبائل خارج المدينة على قتل رجال المسلمين و دعاتهم غدرا و مكرا.
(٢)
كيد المستشرقين و جفاؤهم:
إن المستشرقين الذين دأبوا على نقد أبسط سوء يتعرض له مشرك على أيدي
[١] السيرة النبوية: ج ٢ ص ١٨٣- ١٨٧ امتاع الاسماع: ج ١ ص ١٧٠- ١٧٣.