القوانين المحكمة في الأصول - القمّي، الميرزا أبو القاسم - الصفحة ١١٩ - للصحيحة أو الأعمّ منها
انسداد باب العلم مع بقاء التكليف بالضّرورة، و قبح تكليف ما لا يطاق يوجب جواز العمل بالظنّ في الأحكام بعد التفحّص و التجسّس عن الأدلّة، و حصول الظنّ بسبب رجحان الدّليل على المعارضات أو بسبب أصالة عدم معارض آخر؛ فكذلك في ماهيّة العبادات. و كما لا يمكن في ماهية العبادات التمسّك بالأصل قبل الفحص و التّفتيش و استفراغ الوسع؛ فكذلك لا يمكن ذلك في نفس الأحكام، و سيجيء الكلام في ذلك مستقصى في مباحث التخصيص و مباحث الاجتهاد و التقليد.
فنقول: إنّه لا مانع من إجراء أصالة العدم في إثبات ماهيّة العبادات كنفس الأحكام، إذ لو قيل: إنّ المانع هو أنّ اشتغال الذمّة بالعبادة في الجملة قاطع لأصالة العدم السّابق، فيصير الأصل بقاء شغل الذمّة حتّى يثبت المبرئ، فمثله موجود في الأحكام أيضا، فإنّ اشتغال الذمّة بتحصيل حقيقة كلّ واحد واحد من الأحكام الذي علم إجمالا بالضرورة من دين محمّد (صلى الله عليه و آله و سلّم) قاطع، و لذلك اشترطوا في إعمال أصل البراءة و أصالة العدم في الأحكام الشرعيّة، الفحص عن الأدلّة أوّلا، فنحن نعلم جزما أنّ لغسل الجمعة مثلا حكما من الشارع و لا نعلمه، فبعد البحث و الفحص و عدم رجحان دليل الوجوب نقول: الأصل عدم الوجوب، و الأصل عدم معارض آخر يترجّح على ما ظهر علينا من أدلّة الاستحباب، و لا يمكننا ذلك قبله و لا يوجب امتزاج أمور متعدّدة [١] و ثبوت حكم فيها الفرق في ذلك.
فكما نتفحّص من حكم المفرد و بعد استفراغ الوسع نستريح الى أصل البراءة
[١] لعلّ هذا جواب سؤال و هو إن امتزج أمور متعددة كما في ماهيّة العبادات حيث ركبت من أجزاء و شرائط لعلّه يوجب الفرق بين الحكم و الماهيّة في إجراء الأصل في الأول و عدم إجرائه في الثاني.