جامع المقاصد في شرح القواعد - المحقق الثاني (المحقق الكركي) - الصفحة ٤٧٢ - المطلب الرابع في المهادنة
و العادة إن يشرط رد من جاءنا منهم عليهم (١) و هو سائغ، إلّا في المرأة إذا جاءت مسلمة، و من لا يؤمن أن يفتن عن دينه إذا جاء مسلما لقلة عشيرته. (٢)
الرابع: إن أهل الذمة في قبضة الامام و لا يخشى الضرر كثيرا من نقضهم، بخلاف أهل الهدنة، كذا ذكروه، و لعله لكون الجزية إنما يرضى ببذلها المشركون بعد كمال الضعف، لأن الصبر على الصّغار، و تحمل الإهانة، و عدم ركوب الخيل و لبس السلاح، و نحو ذلك، و بذل مال الجزية غير معلوم المقدار أمر شديد لا يصبر عليه عن قوة يد.
فان قلت: قوله تعالى (وَ إِمّٰا تَخٰافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيٰانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلىٰ سَوٰاءٍ) [١] صالح لأهل الذمة أيضا.
قلنا: لما كان قبول الجزية من أهل الذمة واجبا ما بذلوه، لقوله تعالى:
(حَتّٰى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ) [٢] وجب أن لا يثبت جواز النقض هنا، إلّا بتحقق السبب.
قوله: (و العادة أن يشترط ردّ من جاءنا منهم عليهم).
[١] إنما عبّر بالعادة، لأنه قد وقع ذلك في فعله عليه السلام في صلح الحديبية.
قوله: (و من لا يؤمن أن يفتن عن دينه إذا جاء مسلما لقلة عشيرته).
[٢] لا بد من التقييد بضعفه أيضا، و مثله من كثرت عشيرته و لا يدفعون عنه.
و الذي ينبغي أن لا يراد بفتنه عن دينه: رجوعه عنه، فإنه لو كان قويّ الايمان شديد البصيرة لا عشيرة له و لا يستطيع إظهار دينه لا يجوز رده، بل يراد فتنة عن دينه ظاهرا، فان بلاد الشرك لا يجوز الإقامة بها لمن لا يقدر على إظهار دينه، فلا يجوز اشتراط إقامته. و اعلم أن المراد بالعشيرة و الرهط هنا واحد و هم:
قرابته الأدنى و الأبعد.
[١] الأنفال: ٥٨.
[٢] التوبة: ٢٩.