أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٨٧ - أدلّة الأقوال في المسألة
و بهذا يظهر أنّ الوجه الثالث من الوجوه الأربعة التي أجاب بها المحقّق الخراساني (رحمه الله) عن الإشكال في غير محلّه.
مضافاً إلى أنّ البدعة و التشريع ليس مجرّد عمل للقلب بل إنّه يتشكّل من عمل خارجي كالصيام في العيدين و من عقد القلب بكونه مشروعاً.
و إن شئت قلت: إنّ الاعتقاد القلبي يكون سبباً لانطباق عنوان التشريع على العمل الخارجي، و على أيّ حال: يتّحد متعلّق الحرمة الذاتيّة مع متعلّق الحرمة التشريعيّة فيعود المحذور الذي في كلام المستشكل.
و هكذا الوجه الأوّل و الثاني، أمّا الأوّل: فلأنّه مبني على تعلّق النهي في لسان الأدلّة على ذات الأفعال المنهي عنها مع أن الظاهر أنّه تعلّق بالصّلاة مع قصد القربة في مثل قوله ٧:
«دعي الصّلاة أيّام أقرائك»
فليست العبادة الواردة في لسان الأدلّة العبادة الشأنيّة بل إنّها ناظرة إلى مقام الفعل و القصد.
و أمّا الثّاني: (و هو النقض بالعبادات الذاتيّة) فلأنه التزام بنفس الإشكال و إقرار بأنّه لو لم تكن العبادة ذاتيّة كان الإشكال وارداً، فيكون الجواب أخصّ من الإشكال.
فالوجه الصحيح و التامّ من الوجوه الأربعة إنّما هو الوجه الرابع و هو كفاية الحرمة التشريعيّة لفساد العمل.
ثمّ إنّ للمحقّق الحائري (قدس سره) في المقام تفصيلًا آخر، و هو التفصيل بين ما إذا تعلّق النهي بنفس المقيّد و هي الصّلاة المخصوصة مثلًا (كأن يقال مثلًا لا تصلّ في الحمّام) و ما إذا تعلّق النهي بأمر آخر يتّحد مع الطبيعة المأمور بها (كأن يقال مثلًا «كون صلاتك في الحمّام حرام» أو «كون صيامك في العيدين حرام») ففي الصورة الاولى يوجب النهي الفساد من جهة عدم إمكان كون الطبيعة من دون تقييد ذات مصلحة توجب المطلوبيّة، و الطبيعة المقيّدة بقيد خاصّ ذات مفسدة توجب المبغوضيّة، لأنّ الجهة الموجبة للمبغوضيّة ليست مباينة لأصل الطبيعة حتّى في عالم الذهن، فلا يمكن أن تكون مبغوضاً و يكون أصل الطبيعة محبوبة من دون تقييد.
و بعبارة اخرى: لو بقيت المحبوبيّة التي هي ملاك الصحّة في العبادة في المثال يلزم كون الشيء الواحد خارجاً و جهةً محبوباً و مبغوضاً و هو مستحيل، و أمّا الصورة الثانيّة فالصحّة و الفساد فيها يبتنيان على كفاية تعدّد الجهة في تعدّد الأمر و النهي و لوازمها من القرب و البعد