أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٨٦ - أدلّة الأقوال في المسألة
الحرمة الذاتيّة، و لا يعقل تحريمها ذاتاً لأنّ المكلّف إمّا أن يقصد القربة أو لم يقصدها، فإن لم يقصدها فلا عبادة كي تحرم بالنهي ذاتاً و تفسد، و إن قصدها فهذا غير مقدور له، إذ لا أمر في البين كي يقصده و يتحقّق به العبادة و تحرم ذاتاً و تفسد إلّا إذا قصد القربة تشريعاً، و معه يتّصف الفعل بالحرمة التشريعيّة دون الذاتيّة لامتناع اجتماع المثلين.
و أمّا جوابه:
أوّلًا: ما مرّ في بعض المقدّمات من أنّ المراد من العبادة في المسألة إنّما هو العبادة الشأنيّة، أي ما لو تعلّق الأمر به كان أمره عباديّاً و لا يسقط إلّا بقصد القربة، و من المعلوم أنّ تحريم ذلك ذاتاً بمكان من الإمكان.
و ثانياً: أنّه ينتقض بالعبادات الذاتيّة كالركوع و السجود حيث إنّهما- كما مرّ- لا تحتاج في عباديتها إلى تعلّق أمر بها، فيمكن تعلّق الحرمة بذاتها كحرمة السجود للصنم لأنّها ثابتة و إن لم يقصد بها القربة و لا يضرّ بعباديتها حرمتها شرعاً و إن أضرّت بمقربيتها.
و ثالثاً: أنّه لا منافاة بين الحرمة الذاتيّة و الحرمة التشريعيّة و لا يستلزم منهما اجتماع المثلين، لأنّ الحرمة التشريعيّة تتعلّق بفعل القلب و هو الاعتقاد بوجوب العمل، و الحرمة الذاتيّة تتعلّق بذات الفعل الخارجي، فهما لا تجتمعان في محلّ واحد حتّى يلزم اجتماع المثلين.
و رابعاً: لو سلّمنا أنّ النهي في العبادات لا يكون دالًا على الحرمة الذاتيّة نظراً إلى الإشكال المزبور، إلّا أنّ النهي فيها ممّا يدلّ على الفساد من جهة الحرمة التشريعيّة فلا أقلّ من دلالتها على سقوط الأمر عن العبادة و أنّها ليست مأمور بها من أصلها، و هو يكفي في فسادها.
أقول: يرد عليه:
أوّلًا: إنّ قضيّة امتناع اجتماع المثلين تتصوّر في الامور التكوينيّة لا الامور الاعتباريّة حيث لا مانع عقلًا من اجتماع المثلين في الاعتباريات كما لا مانع من اجتماع الضدّين فيها، فإنّ البحث فيها بحث عن الحسن و القبح و اللغويّة و عدمها لا عن الإمكان و الاستحالة كما مرّ بيانه كراراً.
و ثانياً: إنّ اجتماع الملاكين من الحرمة في مورد يوجب اندكاك أحدهما في الآخر و تأكّده به، فتكون هناك حرمة واحدة مؤكّدة متعلّقة بفعل واحد و إن كان فيه ملاكان للحرمة، و هو نظير ما إذا تعلّق النذر بفعل واجب، حيث لا إشكال في انعقاده و تأكّد وجوب الواجب به.