أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٣٤ - الأقوال في المسألة
الخارج و صادر عن المكلّف، فيصحّ أن يكون المجمع مأموراً به لا بما هو هو بل بما هو منطبق مع عنوان المأمور به، و منهياً عنه أيضاً لا بما هو هو بل بما هو منطبق مع عنوان المنهي عنه.
و من ذلك كلّه ظهر لك أيضاً منع المقدّمة الثانيّة فإنّ الالتزام بأنّ متعلّق الأحكام هو فعل المكلّف و ما يصدر عنه في الخارج و موجوداً فيه إنّما يبتني على القول بأنّ الأحكام اعراض لا إضافات فإنّها على هذا المبنى تحتاج في تحقّقها إلى وجود المعروض و تحقّق الموضوع، و أمّا على القول بأنّها إضافات فلا يحتاج إلى وجود الموضوع، و إذا عرفت أنّ متعلّق الحكم التحريمي غير ما يكون متعلّقاً للحكم الوجوبي حتّى في مورد التصادق و الاجتماع فالقول بالجواز أقوى كما لا يخفى .... (إلى أن قال:) و إنّا إذا راجعنا إلى وجداننا في الأوامر التوصيلية و العرفيّة و نواهيها نرى الوجدان يحكم بجواز الاجتماع باعتبار إجماع ملاكهما في مورد واحد فيما إذا أمر المولى عبده بغسل ثوبه مثلًا و نهاه عن التصرّف في ملك الغير فغسله بسوء اختياره بماء مملوك للغير- يحكم الوجدان بأنّ العبد أتى بالمأمور به و المنهي عنه معاً، هذا مع أنّ النزاع في التوصّليات و التعبّديات سواء كما لا يخفى». (انتهى) [١].
أقول: الأولى في إثبات عدم وجود التضادّ بين الأحكام أن يقال: إنّ الأحكام امور اعتباريّة و هي ممّا لا تضادّ فيها لإمكان إنشاء امور مختلفة و اعتبارها فإنّ الإنشاء خفيف المئونة كما لا يخفى، نعم إنّه لا يتصوّر صدوره من الشارع الحكيم من باب اللغويّة، و لعلّ هذا هو مراد من قال بتضادّ الأحكام الخمسة، أي أنّه أيضاً يقول به من حيث المبادئ و الغايات و أنّ الإرادة و الكراهة أعني الحبّ و البغض لا يجتمعان في نفس المولى بالإضافة إلى شيء واحد- و إن اجتمعت في ذلك الشيء جهات تقتضي الحبّ و الإرادة و جهات اخرى تقتضي البغض و الكراهة لأنّه بعد الكسر و الانكسار و ترجيح أحد الجانبين ينقدح أحدهما في نفس المولى فيوجب البعث أو الزجر.
هذا بحسب المبادئ، و كذلك بحسب الغايات و مقام الامتثال فلا يمكن للمولى أن يقول للعبد: «تحرّك» و في نفس الوقت يقول: «لا تتحرّك» فإنّ الامتثال حركة خاصّة خارجيّة من حيث الزمان و المكان و الكمّ و الكيف و سائر الخصوصيّات و لا يمكن امتثال تكليفين في آنٍ واحد.
[١] راجع حاشيته على الكفاية: ج ١، ص ٣٧٦- ٣٧٩.