أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٣٦ - المختار في مسألة إجزاء الأوامر الظاهريّة الشرعيّة
و هاهنا وجه سادس: لا غبار عليه، و هو عدم شمول أدلّة جواز العدول إلى المجتهد الثاني (فيما إذا عدل المقلّد من مجتهد إلى مجتهد آخر) أو أدلّة حجّية الاجتهاد الثاني (فيما إذا تبدّل رأي المجتهد) الأعمال السابقة و أنّه لا إطلاق لها بالنسبة إلى ما سبق، بل القدر المتيقّن منها الأعمال اللّاحقة، و الحاصل أنّ حجّية الاجتهاد الثاني إنّما هي بالنسبة إلى أعماله في الحال و في المستقبل، أمّا بالنسبة إلى الماضي فلا يكشف عن فسادها.
و لعلّ هذا هو مراد من قال: «الواقعة الواحدة لا تتحمّل اجتهادين» و من قال: «إنّ تبدّل رأي المجتهد كالنسخ»، و من قال: «إنّ الاجتهاد الثاني كالاجتهاد الأوّل» و إن كانت عباراتهم غير وافية بهذا المعنى، و هذا الوجه خالٍ عن الإشكال، وافٍ بتمام المقصود.
هذا كلّه بالنسبة إلى أعمال المقلّدين، و أمّا حكم المجتهد نفسه بالنسبة إلى أعماله السابقة فالإجزاء أو عدم الإجزاء فيها مبني على شمول أدلّة حجّية الأمارات و الاصول للأعمال السابقة، لأنّ المحكّم بالنسبة إليه إنّما هو هذه الأدلّة لا أدلّة التقليد كما هو واضح، فإن استظهر عمومها بالنسبة إليها فالحكم هو عدم الإجزاء و وجوب الإعادة أو القضاء، و إلّا يؤخذ بالقدر المتيقّن و هو الأعمال اللّاحقة، و لازمه هو الإجزاء.
فالمهمّ بالنسبة إلى المجتهد نفسه حينئذٍ إنّما هو وجود هذا الإطلاق و عدمه في مقام الإثبات و الاستظهار من الأدلّة، و الإنصاف أنّها أيضاً لا إطلاق لها بالنسبة إلى الأعمال السابقة، و القدر المتيقّن هو حجّيتها بالنسبة إلى الأعمال اللّاحقة فتأمّل جيّداً.
هذا كلّه فيما إذا انكشف الخلاف بأمارة اخرى أو أصل كذلك، أمّا إذا ظهر الخلاف بالقطع و اليقين فالحكم بالإجزاء مشكل لعدم الدليل عليه.
بقي هنا امور:
الأمر الأوّل: أنّ ما اخترناه من الإجزاء لا يختصّ بالأحكام التكليفية بل يعمّ المعاملات بالمعنى الأخصّ و هو العقود و الايقاعات، فإذا أفتى مجتهد بجواز إجراء عقد النكاح بالصيغة الفارسيّة ثمّ تبدّل رأيه أو عدل المقلّد إلى مجتهد آخر يفتي بعدم الجواز، كانت العقود الجارية بها مجزيّة و لا تجب إعادتها بالصيغة العربيّة، و هكذا إذا اشترى داراً معاطاة لفتوى مقلّده بجوازها ثمّ تبدّل رأيه، بل يعمّ المعاملات بالمعنى الأعمّ أيضاً كما إذا أفتى المجتهد بجواز قطع