أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٣٤ - المختار في مسألة إجزاء الأوامر الظاهريّة الشرعيّة
أقول: الإنصاف كما سيأتي مشروحاً في مسألة التخطئة و التصويب في مبحث الاجتهاد و التقليد أنّ ما ذكره هذا المحقّق و غيره (قدّس اللَّه أسرارهم) (من كون القسم الأوّل من التصويب مستلزماً للدور أو واضح البطلان بالضرورة من الشرع و غيره) ناشٍ عن الغفلة عمّا بنى عليه القول في هذه المسألة، فإنّهم قالوا بأنّ الوقائع الخاليّة عن النصّ خالية عن الحكم الواقعي الشرعي و إنّ الشارع أوكل حكم التشريع في هذه المسائل إلى الفقهاء من طريق الاستحسان أو القياس على غيره أو ملاحظة المصالح المرسلة و غيرها، فإذا أفتى فقيه بحكم في هذه الموارد صوّب اللَّه رأيه.
و هذا و إن كان باطلًا لعدم قيام دليل على جواز التشريع للفقيه لا من الكتاب و لا من السنّة بل هو ازراء للشريعة من حيث استلزامها النقص في أحكامها و عدم إكمال الدين و إتمام النعمة بل استلزامه نوعاً من الشرك الخفي.
و لكن هذا كلّه لا دخل له بلزوم الدور و شبهه، هذا أوّلًا.
و ثانياً: ما ذكره من وجود مصلحة التسهيل في الطرق و الأمارات هو بعينه المصلحة السلوكيّة، و من العجب أنّه أثبت مصلحة التسهيل و نفي المصلحة السلوكيّة مع اتّحادهما أو كون التسهيل من مصاديقها البارزة.
و ثالثاً: ما أفاده من لزوم القول بالتصويب و تبدّل الحكم الواقعي في القسم الثالث أيضاً ممنوع جدّاً، لأنّ المصلحة السلوكيّة ليست في عرض مصلحة الحكم الواقعي بل هي في طولها.
و إن شئت قلت: إنّ المكلّف إذا سلك طريق الأمارة للوصول إلى الحكم الواقعي الذي هو ذو مصلحة في نفسه فأخطأه كان سلوكه هذا الطريق مستلزماً لمنافع جابرة لما فات منه من منافع الحكم الواقعي (و سيأتي الإشارة إلى هذا إن شاء اللَّه في مباحث الاجتهاد و التقليد أيضاً).
إذا عرفت هذا فلنرجع إلى أصل المسألة فنقول و من اللَّه التوفيق و الهداية:
الحقّ أنّ هذه المسألة هي مسألة تبدّل رأي المجتهد، فنذكر هنا إجمالًا منها و نترك تفصيلها إلى محلّها من مبحث الاجتهاد و التقليد.
فنقول: ذهب جماعة من الأصحاب إلى الإجزاء فيما إذا تبدّل رأي المجتهد، و استدلّوا عليه بوجوه: