أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٥٦ - الأقوال في مسألة استعمال المشترك في أكثر من معنى
و استدلّ الطائفة الاولى بوجهين:
الأوّل: أنّ الوحدة جزء للموضوع له لأنّ اللفظ وضع للمعنى الواحد، فإذا استعمل في المعنيين استعمل في غير ما وضع له فيصير مجازاً.
الثاني: أنّ اللفظ وضع للمعنى في حال الوحدة، فكأنّ الواضع اشترط أن يستعمل اللفظ حال الوحدة، حيث إنّ اللغات توقيفيّة، فلا بدّ لاستعمال اللفظ في المتعدّد إلى إذن من الواضع.
و أمّا الطائفة الثانيّة: فاستدلّوا لعدم الجواز حقيقة بنفس ما استدلّ به الطائفة الاولى، و لعدم الجواز مجازاً بعدم وجود علاقة بين الواحد و المتعدّد لأنّهما ضدّان، لكون أحدهما مأخوذاً بشرط شيء و الآخر بشرط لا، و لا إشكال في أنّهما متباينان، و أمّا علاقة الكلّ و الجزء فلا تتصوّر هنا لأنّ الوحدة شرط للموضوع له و ليست بجزء له.
و الجواب: عن كلتا الطائفتين: إن كان المراد من قيد الوحدة أنّ اللفظ وضع لمعناه لأن يستعمل فيه باللحاظ الاستقلالي فإنّه حاصل في ما نحن فيه، لأنّ المراد من استعمال لفظ في أكثر من معنى استعماله في كلّ واحد بلحاظ مستقلّ لا في المجموع من حيث المجموع.
و إن كان المراد منها أنّ اللفظ وضع لأن يراد منه معنى واحد لا معنيان و إن كان يلاحظ كلّ واحد منهما مستقلًا فهو دعوى بلا دليل.
و إن كان المراد أنّ اللفظ يستعمل في الاستعمالات المتعارفة في معنى واحد و هذا يوجب ظهور اللفظ في معنى واحد، فهو حقّ و لكنّه ظهور انصرافي، أي ينصرف اللفظ إلى الوحدة لا ظهور حقيقي بحيث يكون في غيره مجازاً، لأنّ منشأ الظهور هنا كثرة الاستعمال في العرف لا التبادر الذي يكون من علائم الوضع، فليست الوحدة جزءاً للموضوع له بل اللفظ ظاهر في معنى واحد و لا بدّ لاستعماله في الأكثر من قرينة معيّنة للأكثر و صارفة عن المعنى الواحد.
و أمّا القائلون بالتفصيل بين التثنية و الجمع و المفرد فتمسّكوا لعدم الجواز في المفرد بما مرّ من اعتبار الوحدة أيضاً فقالوا: إنّ التثنية أو الجمع في حكم تكرار اللفظ فلا ينافيان قيد الوحدة فإنّ «العينين» مثلًا بمعنى عين و عين.
و الجواب عنه: أنّه لا إشكال في أنّ معنى التثنية هو الفردان من معنى واحد، و كذلك الجمع فإنّه أفراد من كلّي واحد كما أنّ المفرد فرد واحد من ذلك المعنى فالتثنية و الجمع في حكم تكرار الفرد لا تكرار اللفظ.