أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٥٥ - الأقوال في مسألة استعمال المشترك في أكثر من معنى
واحدة وجودان خارجيان، فكذلك لا يكون للفظ واحد معنيان.
و الجواب عنه: إنّ المراد من كون الألفاظ وجودات تنزيلية للمعاني تشبيه للألفاظ بالوجودات الخارجيّة، و يكون المقصود هاهنا أنّ وجود اللفظ علامة لوجود المعنى، و إلّا لا إشكال في أنّ اللفظ و دلالته على معناه أمر اعتباري عقلائي و لا يقاس بالوجودات الحقيقيّة الخارجيّة، فإنّ هذا أيضاً من الموارد التي وقع فيها الخلط بين المسائل اللغويّة و المسائل الفلسفية، وعليه لا مانع من استعمال لفظ و إرادة معنيين.
و إن شئت قلت: سلّمنا كون اللفظ وجوداً تنزيليّاً للمعنى، و لكن أي مانع من تنزيل شيء واحد منزلة الشيئين، فإنّ التنزيل أمر اعتباري و لا مانع من اجتماع امور اعتباريّة عند استعمال لفظ واحد.
الثالث: إنّه باللفظ يوجد المعنى، و اللفظ يكون علّة للمعنى و لا يصدر من العلّة الواحدة إلّا معلول واحد.
و فيه: أنّ هذا أيضاً من أوضح مصاديق الخلط بين المسائل الفلسفية و الحقائق الاعتباريّة، فإنّ قاعدة الواحد (على القول بها) مختصّة بالواحد البسيط الحقيقي التكويني كما مرّ غير مرّة، و أمّا وضع الألفاظ فأمر اعتباري محض و لا يجري فيه قانون العلّية فضلًا عن قاعدة الواحد.
هذا أوّلًا.
و ثانياً: سلّمنا- لكن ليس اللفظ في استعماله في أكثر من معنى تمام العلّة لايجاد المعنى بل هو جزء للعلّة التامّة، و الجزء الآخر هو القرينة و لا إشكال في أن يصير لفظ واحد بضمّ قرينة علّة لايجاد معنى، و بضمّ قرينة اخرى علّة لايجاد معنى آخر فتأمّل [١].
هذا كلّه في أدلّة القائلين بالاستحالة العقليّة.
أمّا القائلون بعدم الجواز لغة و عرفاً فهم طائفتان: طائفة قالوا بعدم الجواز حقيقة و الجواز مجازاً، و طائفة اخرى قالوا بعدم الجواز حقيقة و مجازاً، و الإنصاف أنّ طريق هاتين الطائفتين أسلم اشكالًا من طريق القائلين بالاستحالة العقليّة و إن كانت مقالتهم أيضاً لا تخلو من الضعف و الإشكال كما سيأتي.
[١] و وجه التأمّل أنّ هذا غير معقول، لأنّه كيف يمكن و يتصوّر أن يصير شيء واحد في آنٍ واحد جزءاً لعلّتين تامّتين؟