أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٨٦ - ٢- عدم صحّة السلب و صحّته (صحّة الحمل و عدم صحّته)
أقول: يمكن دفع هذا الإشكال بأنّه يكفي في صحّة الحمل قضيّة الإجمال و التفصيل، فما يتوقّف عليه صحّة الحمل هو العلم الإجمالي و الارتكازي بالوضع، فلا حاجة إلى التبادر لمعرفة الوضع تفصيلًا. هذا مضافاً إلى أنّ الحمل هنا ليس حملًا خارجيّاً لفظيّاً بل المراد منه تقريب المحمول إلى الموضوع في الذهن، فقبل تحقيق الحمل في التلفّظ و الخارج نقرّب «الغيث» مثلًا بما له من المعنى الارتكازي إلى «المطر» بما له من المعنى التفصيلي، و نمارس حمله عليه حتّى نرى أ يستحسنه الطبع أم لا؟ من دون أن يكون تبادر في البين، فإن استحسنه الطبع و رأى تلائم المعنيين و تناسبهما فيعلم أنّ الموضوع له فيهما واحد.
هذا كلّه في الحمل الاولى الذاتي، و كذلك في الحمل الشائع (حمل الكلّي على المصداق) فنحتاج في معرفة المصداق الحقيقي أيضاً إلى التقريب الذهني.
و إن شئت قلت: إنّ التبادر هو الرجوع إلى الارتكاز من طريق التصوّر، و أمّا صحّة الحمل فهي الرجوع إلى الارتكاز من طريق أخذ الجملة و التصديق بمفادها فأحد الطريقين في عرض الآخر، و لا يتوقّف أحدهما على الآخر.
الأمر الرابع: في بيان الإشكال الذي ذكره بعض الأعلام في المسألة، و حاصله: إنّ الحمل الذاتي لا يكشف إلّا عن اتّحاد الموضوع و المحمول ذاتاً و مغايرتهما اعتباراً، و لا نظر في ذلك إلى حال الاستعمال و إنّه حقيقي أو مجازي، و بكلمة اخرى: إنّ صحّة الحمل و عدم صحّته يرجعان إلى عالم المعنى و المدلول، فمع اتّحاد المفهومين ذاتاً يصحّ الحمل و إلّا فلا، و أمّا الحقيقة و المجاز فهما يرجعان إلى عالم اللفظ و الدالّ، و بين الأمرين مسافة بعيدة، نعم لو فرض في القضيّة الحمليّة أنّ المعنى قد استفيد من نفس اللفظ من دون قرينة كان ذلك علامة الحقيقة، إلّا أنّه مستند إلى التبادر لا إلى صحّة الحمل، نعم بناءً على أنّ الأصل في كلّ استعمال أن يكون حقيقيّاً كما نسب إلى السيّد المرتضى (رحمه الله) يمكن إثبات الحقيقة، إلّا أنّه لم يثبت في نفسه، مضافاً إلى أنّه لو ثبت فهو أجنبي عن صحّة الحمل و عدمها [١].
أقول: قد مرّ أنّ صحّة الحمل و الاستعمال إمّا أن تكون حاصلة من القرينة أو تنشأ من حاقّ اللفظ و الوضع، فإذا لم تكن قرينة في البين و كانت القضيّة عارية من أيّة قرينة نعلم بأنّ
[١] راجع المحاضرات: ج ١، ص ١١٧.