أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٨٨ - ٣- الاطّراد و عدمه
فيصحّ أن يقال: «وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ» و لا يصحّ أن يقال «و اسأل الشارع أو البساط» مع كون كلّ من القرية و الشارع محلًا لذوي العقول أو معبّراً لهم، فكلام المشهور إذا كان بملاحظة الصنف الخاص من العلاقة الذي يصحّ معه الاستعمال كالشجاعة من بين أصناف الشباهة أو المسكن من بين أصناف المحلّ و المقرّ فهو ليس بصحيح، لأنّ استعمال اللفظ في المعنى المجازي أيضاً مطرد كالحقيقة، و يكون الاطّراد مشتركاً بين الحقيقة و المجاز لا مختصّاً بالمعنى الحقيقي، و إذا كان كلامهم بملاحظة نوع العلائق فهو تامّ في محلّه.
هذا حاصل ما ذكره في المقام.
و لكن هاهنا قول آخر ذهب إليه المحقّق النائيني (رحمه الله) و نقله في تهذيب الاصول و في المحاضرات، و هو كون الاطّراد من علائم الحقيقة في خصوص الكلّي بالنسبة إلى أفراده، و حاصل بيانه: إنّه إذا صحّ استعمال كلّي في عدّة من أفراده بحيث أطرد استعماله فيها نستنتج من مجموع هذه الاستعمالات إنّ معنى هذا الكلّي هو المعنى الجامع بين تلك الأفراد، و هو الموضوع لذلك المعنى، فإذا استعمل مثلًا لفظ الرجل في زيد، ثمّ استعمل أيضاً في عمرو، و ثالثاً في بكر، و رابعاً في خالد نستكشف من هذا الاطّراد أنّ معنى الرجل حقيقة هو المفرد المذكّر، و إذا لم يكن استعمال الكلّي مطرداً في الأفراد كما أنّ استعمال الأسد لا يكون مطرداً بالنسبة إلى كلّ فرد شجاع نستكشف من عدم الاطّراد هذا كون استعمال الأسد في الشجاع مجازاً [١].
و اجيب عنه بأمرين:
الأمر الأوّل: إنّ استعمال الكلّي في فرده مع الخصوصيّات الفرديّة مجاز قطعاً لأنّ التشخصّات الفرديّة لا تكون جزءاً لما وضع له الكلّي، فاستعماله فيه حينئذٍ يكون استعمالًا في غير الموضوع له:
إن قلت: إنّه يكون من باب التطبيق الكلّي على فرده أو تطبيق العامّ على الخاصّ بلا إرادة الخصوصيّة.
قلنا: فالعلامة حينئذ صحّة التطبيق لا اطّراد استعمال الكلّي في الأفراد، لأنّه لم يلاحظ الخصوصيّات الفرديّة، فلم يلاحظ تعدّد الأفراد لأنّ تعدّدها يتحقّق بتشخّصها، فلا يكون الاطّراد علامة بل العلامة صحّة التطبيق، و هي ليست إلّا صحّة الحمل، و قد مرّ أنّ صحّة
[١] راجع المحاضرات: ج ١، ص ١٢١.