أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٨٤ - ٢- عدم صحّة السلب و صحّته (صحّة الحمل و عدم صحّته)
موضوعاً له في زمان تبادره منه، و أمّا وضع اللفظ لذلك المعنى في زمان نزول الوحي فلا يثبت بالتبادر المتأخّر، فلا بدّ في إثبات ذلك من التشبّث بالاستصحاب القهقري الثابت حجّيته في خصوص باب الظهورات بقيام سيرة العقلاء و بناء أهل المحاورة عليه، فإنّهم يتمسّكون بذلك في موارد الحاجة ما لم تقم حجّة أقوى على خلافه، بل على ذلك الأصل يدور استنباط الأحكام الشرعيّة من الألفاظ الواردة في الكتاب و السنّة، ضرورة إنّه لو لا اعتباره لا يثبت لنا أنّ هذه الألفاظ كانت ظاهرة في تلك الأزمنة في المعاني التي هي ظاهرة فيها في زماننا» و هكذا الكلام في استنباط المسائل من جميع الكتب العمليّة أو التاريخية أو الأشعار أو أسناد الأوقاف و الوصايا.
هذا كلّه في العلامة الاولى للحقيقة و المجاز، و هي التبادر.
٢- عدم صحّة السلب و صحّته (صحّة الحمل و عدم صحّته):
و المراد منهما أنّ صحّة سلب لفظ بما له من المعنى من لفظ آخر بما له من المعنى تكون علامة لكونه مجازاً فيه، و بالعكس فإن صحّة حمل لفظ بما له من المعنى على لفظ آخر بما له من المعنى تكون علامة لكونه حقيقة فيه، فإذا قلنا «الغيث هو المطر» مثلًا و استحسنه الطبع (إذا كان معنى المطر معلوماً لنا و واضحاً و لم يكن معنى الغيث معلوماً إلّا إجمالًا) فنحكم حينئذٍ أنّ الغيث وضع لمعنى المطر و أنّ معناهما واحد، كما أنّه إذا قلنا «الرجل الشجاع ليس بأسد حقيقة» و استحسنه الطبع أيضاً، نعلم أنّ استعمال الرجل الشجاع في الأسد يكون مجازاً.
و لكن المحقّق الخراساني (رحمه الله) و غيره ممّن تبعه ذكروا هنا تفصيلًا حاصله: إنّ الحمل على قسمين حمل أولى ذاتي و حمل شائع صناعي، و الملاك في الحمل الاولى هو اتّحاد المفهوم فقط، و أمّا الملاك في الحمل الشائع فهو الاتّحاد في الوجود و الافتراق في المفهوم (و يسمّى شائعاً لكونه هو الشائع بين الناس، و صناعياً لكونه هو المستعمل في الصناعات) ثمّ إنّ صحّة الحمل الاولى الذاتي يدلّ على كون الموضوع له في الموضوع و المحمول واحداً، و أمّا الصناعي فيستفاد منه كون الموضوع أحد مصاديق المحمول الحقيقية في قبال المصاديق المجازيّة، و لا يدلّ على الوضع، فالعلامة على المعنى الموضوع له هي الحمل الاولي لا الحمل الشائع، بل إنّه علامة على كون الموضوع مصداقاً حقيقيّاً للموضوع له في قبال المصداق المجازي.