أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٣٢ - الأقوال في المسألة
المقدمة الثانية: أنّ متعلّق الأحكام هو فعل المكلّف الخارجي لا ما هو اسمه و عنوانه لأنّ الأحكام إنّما تتعلّق بحقيقة الشيء و واقعه و ما يترتّب عليه الخواص و الآثار، و الاسم و العنوان إنّما يؤخذ في لسان الدليل لأجل الإشارة بهما إلى المسمّى و المعنون.
المقدمة الثالثة: أنّ تعدّد العنوان لا يوجب تعدّد المعنون و لا تنثلم وحدة المعنون، بتعدّد العنوان و الشاهد على ذلك صدق الصفات المتعدّدة على الواجب تبارك و تعالى مثل كونه حيّاً عالماً قادراً إلى غير ذلك من الصفات مع أنّه واحد أحد بسيط من جميع الجهات، فإذا كانت الصفات المتعدّدة تصدق على الواحد البسيط من جميع الجهات و لا ينافي ذلك وحدته و عدم تعدّده، فكذلك تصدق على غيره ممّا ليس كذلك بطريق أولى.
المقدمة الرابعة: أنّه لا يكاد يكون لوجود واحد إلّا ماهية واحدة و يستحيل تغاير الوجود و ماهيته في الوحدة و التعدّد، فالمجمع و إن تصادق عليه متعلّقاً الأمر و النهي إلّا أنّه كما يكون واحداً وجوداً يكون واحداً ماهية و ذاتاً، فلا فرق في امتناع الاجتماع بين القول بأصالة الوجود و القول بأصالة الماهية، كما أنّ العنوانين المتصادقين على المجمع ليسا من قبيل الجنس و الفصل كي يبتني الجواز و الامتناع على تمايزهما و عدمه.
ثمّ استنتج من هذه المقدّمات امتناع الاجتماع و قال: إذا عرفت ما مهّدناه عرفت أنّ المجمع حيث كان واحداً وجوداً و ذاتاً كان تعلّق الأمر و النهي به محالًا، ثمّ أشار إلى بعض أدلّة المجوّزين ثمّ أجاب عنه و نحن نذكره هنا تحت عنوان «إن قلت، قلت» بمزيد توضيح:
إن قلت: إنّ الأمر قد تعلّق بطبيعة الصّلاة و النهي بطبيعة الغصب، و الطبيعة بما هي هي و إن لم تكن متعلّقة للطلب، و لكنّها بما هي مقيّدة بالوجود (بحيث كان القيد خارجاً و التقيّد داخلًا) تكون متعلّقة للطلب و لازمه أن لا يكون المتعلّق واحداً لا في مقام تعلّق البعث و الزجر، و ذلك لتعدّد الطلبيتين بما هما متعلّقان لهما و إن اتّحدتا في ما هو خارج عن الطلب و هو الوجود، و لا في مقام الإطاعة و العصيان و ذلك لسقوط أحدهما بالاطاعة و الآخر بالعصيان، و لا إشكال في أنّ الإطاعة تحصل بطبيعة و العصيان يحصل بطبيعة اخرى، و معه ففي أي مقام اجتماع الحكمان في واحدِ؟
قلنا: إنّ الطبيعتين المتعلّقتين للأمر و النهي كعنواني الصّلاة و الغصب إنّما يؤخذان في لسان الدليل للإشارة بهما إلى المعنون، و المعنون هو أمر واحد لا يتعدّد بتعدّد العنوان.