أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٣٩ - أمّا المقام الثاني و هو البحث عن الضدّ الخاصّ كالصّلاة بالنسبة إلى إزالة النجاسة عن المسجد أو أداء الدَّين
و إن شئت قلت: وجود البياض ملازم لعدم السواد إلّا أنّه يصدق عليه عدم السواد، و كم فرق بين الملازمة و بين صدقه عليه.
هذا، و قد ظهر إلى هنا أنّه لا يمكن إثبات أنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه الخاصّ لا من طريق مقدّميّة ترك أحد الضدّين للضدّ الآخر و لا من طريق وجود التلازم بينهما، و لكن لنا في المسألة بالنسبة إلى مسلك المقدّميّة تفصيل فنقول: ربّما يكون الضدّان فعلين قائمين بشخص واحد، فلا إشكال في أنّ ترك أحدهما ليس مقدّمة لوجود الآخر بل إرادة أحدهما يلازم ترك الآخر قهراً، فمثلًا حصول الجلوس ليس متوقّفاً على ترك القيام بل يحصل الجلوس و ينعدم القيام في عرض واحد و في رتبة واحدة بإرادة الجلوس فقط، كما أنّ تحقّق النوم لا يكون متوقّفاً على اعدام اليقظة في الرتبة السابقة بل تنعدم اليقظة و يحصل النوم بإرادة النوم فقط.
و إن شئت قلت: إذا حصل الداعي لأحدهما يحصل الصارف عن غيره في رتبة واحدة.
و هذا بخلاف ما إذا كان الضدّان فعلين قائمين بشخصين كإشغال محلّ خاصّ من المسجد، فإنّه لا يمكن إشغال زيد له إلّا بترك إشغال عمرو له، أو كانا فعلين قائمين بشخص واحد و لكن المحلّ واحد و موضوع خارجي فلا يمكن أن يملأ إناء الماء مثلًا من اللبن بدون فراغه من الماء، و هكذا كتابة شيئين في لوح واحد فلا يمكن كتابة أحدهما إلّا بعد محو الآخر، فهنا يكون عدم أحدهما مقدّمة للآخر.
إن قلت: لازم هذا- التفريق بين الضدّين اللّذين كان أحدهما موجوداً من قبل، و ما ليس كذلك، فالمقدّميّة حاصلة في الأوّل دون الثاني، أي أنّها موجودة رفعاً لا دفعاً.
قلنا: عدم وجود أحد الضدّين من قبل في القسم الأخير لا يلازم عدم كونه مقدّمة، بل لازمه حصول المقدّمة من قبل، ففراغ الإناء من الماء لقبول اللبن ليس دليلًا على أنّ عدم الماء فيه لا يكون مقدّمة للبن، بل معناه حصول المقدّمة من قبل، و هو واضح.
و إلى ما ذكرنا يشير ما هو المعروف في محلّه من «أنّ التخلية قبل التحلية»، نعم إنّ الأمثلة المتداولة في كلمات القوم في المقام كمثال الصّلاة و الإزالة إنّما هي من القسم الأوّل، و لعلّ ملاحظة هذه الأمثلة أوجبت إنكار المحقّقين للمقدّميّة في مطلق الأضداد، فتدبّر جيّداً حتّى تعرف الفرق بين الموردين فإنّه دقيق.