أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٨٤ - هل الأصل في الأوامر هو التعبّديّة أو لا؟
ذيل هذه الآية يقول: «أي لم يأمرهم اللَّه تعالى إلّا لأن يعبدوا للَّه وحده لا يشركون بعبادة، فهذا ممّا لا يختلف فيه الامّة و لا يقع منه التغيير» و قال في ذيل قوله تعالى «مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ»*:
«لا يخلطون بعبادته عبادة من سواه» و كذلك غيره.
أضف إلى ذلك أنّ المعنى المذكور للآية يستلزم منه التخصيص بالأكثر حيث إنّه لا ريب في أنّ أكثر الأوامر توصّلية.
مضافاً إلى أنّ لحن الآية آبية عن التخصيص لمكان التأكيدات العديدة الشديدة الواردة فيها كما لا يخفى.
الأمر الثالث: التمسّك بروايات تدلّ على أنّ الأعمال إنّما هي بالنيّات:
منها:
ما رواه أبو حمزة عن علي بن الحسين ٧ قال: «لا عمل إلّا بنيّة»
. [١]
و منها:
ما رواه اسحاق بن محمّد قال: حدّثني علي بن جعفر بن محمّد، و علي بن موسى بن جعفر هذا عن أخيه و هذا عن أبيه موسى بن جعفر ٧ عن آبائه : عن رسول اللَّه ٦ في حديث. قال: «إنّما الأعمال بالنيّات، و لكل امرئ ما نوى»
[٢] و هكذا الرّواية الثانيّة و الثالثة من نفس الباب.
و تقريب الاستدلال: إنّ هذه الرّوايات تدلّ على اعتبار نيّة القربة في جميع الأعمال بشهادة عموم التعبير ب «الأعمال» في الرّواية الاولى، و النكرة في سياق النفي في الرّواية الاولى، فلا بدّ من قصد القربة في جميع الأعمال إلّا ما خرج بالدليل.
و الجواب عنه:
أوّلًا: أنّه لا دليل على كون المراد من النيّة في هذه الرّوايات نيّة القربة بل لعلّها نيّة عنوان العمل بالنسبة إلى العناوين القصديّة حيث إنّ كثيراً ما يكون لعمل واحد عناوين عديدة و وجوه متفاوتة يتميّز كلّ واحد منها عن غيرها بالنيّة، فمثلًا إذا أعطى زيد درهماً أمكن أن يكون من باب الأمانة أو الهبة أو الخمس أو الزّكاة أو أداء الدَّين أو ردّ المظالم أو القبض، و لكنّه تتميّز و تتعيّن بالقصد و النيّة.
و إن شئت قلت: لا بدّ في الرّواية من تقدير يدور أمره بين الاحتمالين: احتمال أن يكون
[١] وسائل الشيعة: الباب ٥ من أبواب مقدّمة العبادات، ح ١.
[٢] نفس المصدر.