البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨٣ - ظهور جنكزخان و عبور التتار نهر جيحون
ثيابا للكسوة، فكتب نائبها إلى خوارزم شاه يذكر له ما معهم من كثرة الأموال، فأرسل إليه بأن يقتلهم و يأخذ ما معهم، ففعل ذلك، فلما بلغ جنكزخان خبرهم أرسل يتهدد خوارزم شاه، و لم يكن ما فعله خوارزم شاه فعلا جيدا، فلما تهدده أشار من أشار على خوارزم شاه بالمسير إليهم، فسار إليهم و هم في شغل شاغل بقتال كشلى خان، فنهب خوارزم شاه أموالهم و سبى ذراريهم و أطفالهم، فأقبلوا إليه محروبين فاقتتلوا معه أربعة أيام قتالا لم يسمع بمثله، أولئك يقاتلون عن حريمهم و المسلمون عن أنفسهم، يعلمون أنهم متى ولوا استأصلوهم، فقتل من الفريقين خلق كثير، حتى أن الخيول كانت تزلق في الدماء، و كان جملة من قتل من المسلمين نحوا من عشرين ألفا، و من التتار أضعاف ذلك، ثم تحاجز الفريقان و ولى كل منهم إلى بلاده و لجأ خوارزم شاه و أصحابه إلى بخارى و سمرقند فحصنها و بالغ في كثرة من ترك فيها من المقاتلة، و رجع إلى بلاده ليجهز الجيوش الكثيرة، فقصدت التتار بخارى و بها عشرون ألف مقاتل فحاصرها جنكزخان ثلاثة أيام، فطلب منه أهلها الأمان فأمنهم و دخلها فأحسن السيرة فيهم مكرا و خديعة، و امتنعت عليه القلعة فحاصرها و استعمل أهل البلد في طم خندقها و كانت التتار يأتون بالمنابر و الربعات فيطرحونها في الخندق يطمونه بها ففتحوها قسرا في عشرة أيام، فقتل من كان بها. ثم عاد إلى البلد فاصطفى أموال تجارها و أحلها لجنده فقتلوا من أهلها خلقا لا يعلمهم إلا اللَّه عز و جل، و أسروا الذرية و النساء، و فعلوا معهن الفواحش بحضرة أهليهن، فمن الناس من قاتل دون حريمه حتى قتل، و منهم من أسر فعذب بأنواع العذاب، و كثر البكاء و الضجيج بالبلد من النساء و الأطفال و الرجال، ثم ألقت التتار النار في دور بخارى و مدارسها و مساجدها فاحترقت حتى صارت بلاقع خاوية على عروشها، ثم كروا راجعين عنها قاصدين سمرقند، و كان من أمرهم ما سنذكره في السنة الآتية.
و في مستهل هذه السنة خرب سور بيت المقدس عمره اللَّه بذكره، أمر بذلك المعظم خوفا من استيلاء الفرنج عليه بعد مشورة من أشار بذلك، فان الفرنج إذا تمكنوا من ذلك جعلوه وسيلة إلى أخذ الشام جميعه، فشرع في تخريب السور في أول يوم المحرم فهرب منه أهله خوفا من الفرنج أن يهجموا عليهم ليلا أو نهارا، و تركوا أموالهم و أثاثهم و تمزقوا في البلاد كل ممزق، حتى قيل إنه بيع القنطار الزيت بعشرة دراهم و الرطل النحاس بنصف درهم. و ضج الناس و ابتهلوا إلى اللَّه عند الصخرة و في الأقصى، و هي أيضا فعلة شنعاء من المعظم، مع ما أظهر من الفواحش في العام الماضي، فقال بعضهم يهجو المعظم بذلك.
في رجب حلل الحميّا* * * و أخرب القدس في المحرم
و فيها استحوذت الفرنج على مدينة دمياط و دخلوها بالأمان فغدروا بأهلها و قتلوا رجالها و سبوا