البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨ - ثم دخلت سنة تسعين و خمسمائة
الشيخة الصالحة فاطمة خاتون
بنت محمد بن الحسن العميد، كانت عابدة زاهدة، عمرت مائة سنة و ست سنين، كان قد تزوجها في وقت أمير الجيوش مطر و هي بكر، فبقيت عنده إلى أن توفي و لم تتزوج بعده، بل اشتغلت بذكر اللَّه عز و جل و العبادة، (رحمها اللَّه).
و فيها أنفذ الخليفة الناصر العباسي إلى الشيخ أبى الفرج بن الجوزي يطلب منه أن يزيد على أبيات عدي بن زيد المشهورة ما يناسبها من الشعر، و لو بلغ ذلك عشر مجلدات، و هي هذه الأبيات:
أيها الشامت المعير بالدهر* * * أ أنت المبرأ الموفور؟
أم لديك العهد الوثيق من* * * الأيام، بل أنت جاهل مغرور
من رأيت المنون خلدت أم من* * * ذا عليه من أن يضام خفير
أين كسرى كسر الملوك أبو* * * ساسان أم أين قبله سابور؟
و بنوا الأصفر الملوك ملوك الروم* * * لم يبق منهم مذكور
و أخو الحضر إذ بناه و إذ* * * دجلة تجبى إليه و الخابور
شاده مرمرا و جلله كلسا* * * فللطير في ذراه وكور
لم تهبه ريب المنون فزال* * * الملك عنه فبابه مهجور
و تذكر رب الخورنق إذ* * * أشرف يوما و للهندى تكفير
سره حاله و كثرة ما* * * يملك و البحر معرضا و السدير
فارعوى قلبه و قال و ما* * * غبطة حي إلى الممات يصير
ثم بعد النعيم و الملك و النهى* * * و الأمر وارتهم هناك قبور
ثم أضحوا كأنهم أورق جفت* * * فألوت بها الصبا و الدبور
غير أن الأيام تختص بالمرء* * * و فيها لعمري العظات و التفكير
ثم دخلت سنة تسعين و خمسمائة
لما استقر الملك الأفضل بن صلاح الدين مكان أبيه بدمشق، بعث بهدايا سنية إلى باب الخليفة الناصر، من ذلك سلاح أبيه و حصانه الّذي كان يحضر عليه الغزوات، و منها صليب الصلبوت الّذي استلبه أبوه من الفرنج يوم حطين، و فيه من الذهب ما ينيف على عشرين رطلا مرصعا بالجواهر النفيسة، و أربع جواري من بنات ملوك الفرنج، و أنشأ له العماد الكاتب كتابا حافلا يذكر فيه التعزية بأبيه، و السؤال من الخليفة أن يكون في الملك من بعده، فأجيب إلى ذلك.
و لما كان شهر جمادى الأولى قدم العزيز صاحب مصر إلى دمشق ليأخذها من أخيه الأفضل