البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧٦ - ثم دخلت سنة أربع عشرة و ستمائة
صداق هائل. و فيها قدم السلطان علاء الدين خوارزم شاه محمد بن تكش من همدان قاصدا إلى بغداد في أربعمائة ألف مقاتل، و قيل في ستمائة ألف، فاستعد له الخليفة و استخدم الجيوش و أرسل إلى الخليفة يطلب منه أن يكون بين يديه على قاعدة من تقدمه من الملوك السلاجقة، و أن يخطب له ببغداد، فلم يجبه الخليفة إلى ذلك، و أرسل إليه الشيخ شهاب الدين السهروردي، فلما وصل شاهد عنده من العظمة و كثرة الملوك بين يديه و هو جالس في حركلة من ذهب على سرير ساج، و عليه قباء بخارى ما يساوى خمسة دراهم، و على رأسه جلدة ما تساوى درهما، فسلم عليه فلم يرد عليه من الكبر و لم يأذن له في الجلوس، فقام إلى جانب السرير و أخذ في خطبة هائلة فذكر فيها فضل بنى العباس و شرفهم، و أورد حديثا في النهى عن أذاهم و الترجمان يعيد على الملك، فقال الملك أما ما ذكرت من فضل الخليفة فإنه ليس كذلك، و لكنى إذا قدمت بغداد أقمت من يكون بهذه الصفة، و أما ما ذكرت من النهى عن أذاهم فانى لم أوذ منهم أحدا و لكن الخليفة في سجونه منهم طائفة كثيرة يتناسلون في السجون، فهو الّذي آذى بنى العباس، ثم تركه و لم يرد عليه جوابا بعد ذلك، و انصرف السهروردي راجعا، و أرسل اللَّه تعالى على الملك و جنده ثلجا عظيما ثلاثة أيام حتى طم الحزاكى و الخيام، و وصل إلى قريب رءوس الأعلام، و تقطعت أيدي رجال و أرجلهم، و عمهم من البلاء ما لا يحد و لا يوصف، فردهم اللَّه خائبين و الحمد للَّه رب العالمين.
و فيها انقضت الهدنة التي كانت بين العادل و الفرنج و اتفق قدوم العادل من مصر فاجتمع هو و ابنه المعظم ببيسان، فركبت الفرنج من عكا و صحبتهم ملوك السواحل كلهم و ساقوا كلهم قاصدين معافصة العادل، فلما أحس بهم فر منهم لكثرة جيوشهم و قلة من معه، فقال ابنه المعظم إلى أين يا أبة؟ فشتمه بالعجمية و قال له أقطعت الشام مماليكك و تركت أبناء الناس، ثم توجه العادل إلى دمشق و كتب إلى واليها المعتمد ليحصنها من الفرنج و ينقل إليها من الغلات من داريا إلى القلعة، و يرسل الماء على أراضى داريا و قصر حجاج و الشاغور، ففزع الناس من ذلك و ابتهلوا إلى اللَّه بالدعاء و كثر الضجيج بالجامع، و أقبل السلطان فنزل مرج الصفر و أرسل إلى ملوك الشرق ليقدموا لقتال الفرنج، فكان أول من قدم صاحب حمص أسد الدين، فتلقاه الناس فدخل من باب الفرج و جاء فسلم على ست الشام بدارها عند المارستان، ثم عاد إلى داره، و لما قدم أسد الدين سرى عن الناس فلما أصبح توجه نحو العادل إلى مرج الصفر. و أما الفرنج فإنهم قدموا بيسان فنهبوا ما كان بها من الغلات و الدواب، و قتلوا و سبوا شيئا كثيرا، ثم عاثوا في الأرض فسادا يقتلون و ينهبون و يأسرون ما بين بيسان إلى بانياس، و خرجوا إلى أراضى الجولان إلى نوى و غيرها، و سار الملك المعظم فنزل على عقبة اللبن بين القدس و نابلس خوفا على القدس منهم، فإنه هو الأهم الأكبر، ثم حاصر الفرنج