البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥٧ - ذكر وفاة صاحب الموصل نور الدين
مما قد داهمه من هذا الأمر الفظيع، فبينما هو كذلك إذ أتاه هذا الخبر و الأمر الهائل من اللَّه العزيز الحكيم، لا من حولهم و لا من قوتهم، و لا كان في بالهم، فكاد يذهل من شدة الفرح و السرور، ثم أجاز جميع ما شرطه ولده، و طارت الأخبار بما وقع بين الملوك فخضعوا و ذلوا عند ذلك، و أرسل كل منهم يعتذر مما نسب إليه و يحيل على غيره، فقبل منهم اعتذاراتهم و صالحهم صلحا أكيدا و استقبل الملك عصرا جديدا، و وفى ملك الكرج الأوحد بجميع ما شرطه عليه، و تزوج الأشرف ابنته. و من غريب ما ذكره أبو شامة في هذه الكائنة أن قسيس الملك كان ينظر في النجوم فقال للملك قبل ذلك بيوم: اعلم أنك تدخل غدا إلى قلعة خلاط و لكن بزي غير ذلك أذان العصر، فوافق دخوله إليها أسيرا أذان العصر.
ذكر وفاة صاحب الموصل نور الدين
أرسل الملك نور الدين شاه بن عز الدين مسعود بن قطب الدين مودود بن زنكي صاحب الموصل يخطب ابنة السلطان الملك العادل، و أرسل وكيله لقبول العقد على ثلاثين ألف دينار، فاتفق موت نور الدين و وكيله سائر في أثناء الطريق، فعقد العقد بعد وفاته، و قد أثنى عليه ابن الأثير في كامله كثيرا و شكر منه و من عدله و شهامته و هو أعلم به من غيره، و ذكر أن مدة ملكه سبع عشرة سنة و إحدى عشر شهرا، و أما أبو المظفر السبط فإنه قال كان جبارا ظالما بخيلا سفاكا للدماء فاللَّه أعلم به. و قام بالملك ولده القاهر عز الدين مسعود، و جعل تدبير مملكته إلى غلامه بدر الدين لؤلؤ الّذي صار الملك إليه فيما بعد.
قال أبو شامة: و في سابع شوال شرع في عمارة المصلى، و بنى له أربع جدر مشرفة، و جعل له أبوابا صونا لمكانه من الميار و نزول القوافل، و جعل في قبلته محرابا من حجارة و منبرا من حجارة و عقدت فوق ذلك قبة. ثم في سنة ثلاث عشرة عمل في قبلته رواقان و عمل له منبر من خشب و رتب له خطيب و إمام راتبان، و مات العادل و لم يتم الرواق الثاني منه، و ذلك كله على يد الوزير الصفي ابن شكر. قال و في ثانى شوال منها جددت أبواب الجامع الأموي من ناحية باب البريد بالنحاس الأصفر، و ركبت في أماكنها. و في شوال أيضا شرع في إصلاح الفوارة و الشاذروان و البركة و عمل عندها مسجد، و جعل له إمام راتب، و أول من تولاه رجل يقال له النفيس المصري، و كان يقال له بوق الجامع لطيب صوته إذا قرأ على الشيخ أبى منصور الضرير المصدر فيجتمع عليه الناس الكثيرون. و في ذي الحجة منها توجهت مراكب من عكا إلى البحر إلى ثغر دمياط و فيها ملك قبرص المسمى إليان فدخل الثغر ليلا فأغار على بعض البلاد فقتل و سبى و كر راجعا فركب مراكبه و لم يدركه الطلب، و قد تقدمت له مثلها قبل هذه، و هذا شيء لم يتفق لغيره لعنه اللَّه.
و فيها عاثت الفرنج بنواحي القدس فبرز إليهم الملك المعظم، و جلس الشيخ شمس الدين أبو