البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤٥ - ثم دخلت سنة ثلاث و ستمائة
الأمير مجير الدين طاشتكين المستنجدي
أمير الحاج و زعيم بلاد خوزستان، كان شيخا خيرا حسن السيرة كثير العبادة، غاليا في التشيع، توفى بتستر ثانى جمادى الآخرة و حمل تابوته إلى الكوفة فدفن بمشهد على لوصيته بذلك، هكذا ترجمه ابن الساعي في تاريخه، و ذكر أبو شامة في الذيل أنه طاشتكين بن عبد اللَّه المقتفوي أمير الحاج، حج بالناس ستا و عشرين سنة، كان يكون في الحجاز كأنه ملك، و قد رماه الوزير ابن يونس بأنه يكاتب صلاح الدين فحبسه الخليفة، ثم تبين له بطلان ما ذكر عنه فأطلقه و أعطاه خوزستان ثم أعاده إلى إمرة الحج، و كانت الحلة الشيعية إقطاعه، و كان شجاعا جوادا سمحا قليل الكلام، يمضى عليه الأسبوع لا يتكلم فيه بكلمة، و كان فيه حلم و احتمال، استغاث به رجل على بعض نوابه فلم يرد عليه، فقال له الرجل المستغيث: أ حمار أنت؟ فقال: لا. و فيه يقول ابن التعاويذي.
و أمير على البلاد مولى* * * لا يجيب الشاكي بغير السكوت
كلما زاد رفعة حطنا اللَّه* * * بتفيله إلى البهموت
و قد سرق فراشه حياجبة له فأرادوا أن يستقروه عليها، و كان قد رآه الأمير طاشتكين حين أخذها فقال: لا تعاقبوا أحدا، قد أخذها من لا يردها، و رآه حين أخذها من لا ينم عليه، و قد كان بلغ من العمر تسعين سنة، و اتفق أنه استأجر أرضا مدة ثلاثمائة سنة للوقف، فقال فيه بعض المضحكين: هذا لا يوقن بالموت، عمره تسعون سنة و استأجر أرضا ثلاثمائة سنة، فاستضحك القوم و اللَّه سبحانه و تعالى أعلم.
ثم دخلت سنة ثلاث و ستمائة
فيها جرت أمور طويلة بالمشرق بين الغورية و الخوارزمية، و ملكهم خوارزم شاه بن تكش ببلاد الطالقان. و فيها ولى الخليفة القضاء ببغداد لعبد اللَّه بن الدامغانيّ. و فيها قبض الخليفة على عبد السلام بن عبد الوهاب ابن الشيخ عبد القادر الجيلاني، بسبب فسقه و فجوره، و أحرقت كتبه و أمواله قبل ذلك لما فيها من كتب الفلاسفة، و علوم الأوائل، و أصبح يستعطى بين الناس، و هذا بخطيئة قيامه على أبى الفرج ابن الجوزي، فإنه هو الّذي كان وشى به إلى الوزير ابن القصاب حتى أحرقت بعض كتب ابن الجوزي، و ختم على بقيتها، و نفى إلى واسط خمس سنين، و الناس يقولون: في اللَّه كفاية و في القرآن، و جزاء سيئة سيئة مثلها، و الصوفية يقولون: الطريق يأخذ.
و الأطباء يقولون الطبيعة مكافئة. و فيها نازلت الفرنج حمص فقاتلهم ملكها أسد الدين شيركوه، و أعانه بالمدد الملك الظاهر صاحب حلب فكف اللَّه شرهم. و فيها اجتمع شابان [١] ببغداد على الخمر
[١] أحدهما أبو القاسم أحمد بن المقرئ صاحب ديوان الخليفة، داعب ابن الأمير أصبه. و كان شابا جميلا فرماه بسكين فقتله. فسلمه الخليفة إلى أولاد ابن أصبه فقتلوه. (النجوم ج ٦ ص ١٩٢)