البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٩ - قال ابن الأثير و فيها توفى أبو الفتوح أسعد بن محمود العجليّ
فدخل عبد الغنى إلى مصر و اسكندرية، ثم عاد إلى دمشق، ثم ارتحل إلى الجزيرة و بغداد، ثم رحل إلى أصبهان فسمع بها الكثير، و وقف على مصنف للحافظ أبى نعيم في أسماء الصحابة، قلت: و هو عندي بخط أبى نعيم. فأخذ في مناقشته في أماكن من الكتاب في مائة و تسعين موضعا، فغضب بنو الخجنديّ من ذلك، فبغضوه و أخرجوه منها مختفيا في إزار. و لما دخل في طريقه إلى الموصل سمع كتاب العقيلي في الجرح و التعديل، فثار عليه الحنفية بسبب أبى حنيفة، فخرج منها أيضا خائفا يترقب، فلما ورد دمشق كان يقرأ الحديث بعد صلاة الجمعة برواق الحنابلة من جامع دمشق، فاجتمع الناس عليه و إليه، و كان رقيق القلب سريع الدمعة، فحصل له قبول من الناس جدا، فحسده بنو الزكي و الدولعى و كبار الدماشقة من الشافعية و بعض الحنابلة، و جهزوا الناصح الحنبلي، فتكلم تحت قبة النسر، و أمروه أن يجهر بصوته مهما أمكنه، حتى يشوش عليه، فحول عبد الغنى ميعاده إلى بعد العصر فذكر يوما عقيدته على الكرسي فثار عليه القاضي ابن الزكي، و ضياء الدين الدولعى، و عقدوا له مجلسا في القلعة يوم الاثنين الرابع و العشرين من ذي القعدة سنة خمس و تسعين. و تكلموا معه في مسألة العلو و مسألة النزول، و مسألة الحرف و الصوت، و طال الكلام و ظهر عليهم بالحجة، فقال له برغش نائب القلعة: كل هؤلاء على الضلالة و أنت على الحق؟ [قال نعم] فغضب برغش من ذلك و أمره بالخروج من البلد، فارتحل بعد ثلاث إلى بعلبكّ، ثم إلى القاهرة، فآواه الطحانيون فكان يقرأ الحديث بها فثار عليه الفقهاء بمصر أيضا و كتبوا إلى الوزير صفى الدين بن شكر فأقر بنفيه إلى المغرب فمات قبل وصول الكتاب يوم الاثنين الثالث و العشرين من ربيع الأول من هذه السنة، و له سبع و خمسون سنة، و دفن بالقرافة عند الشيخ أبى عمرو بن مرزوق (رحمهما اللَّه). قال السبط: كان عبد الغنى ورعا زاهدا عابدا، يصلى كل يوم ثلاثمائة ركعة كورد الامام أحمد، و يقوم الليل و يصوم عامة السنة، و كان كريما جوادا لا يدخر شيئا، و يتصدق على الأرامل و الأيتام حيث لا يراه أحد، و كان يرقع ثوبه و يؤثر بثمن الجديد، و كان قد ضعف بصره من كثرة المطالعة و البكاء و كان أوحد زمانه في علم الحديث و الحفظ. قلت: و قد هذب شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي كتابه الكمال في أسماء الرجال- رجال الكتب الستة- بتهذيبه الّذي استدرك عليه فيه أماكن كثيرة، نحوا من ألف موضع، و ذلك الامام المزي الّذي لا يمارى و لا يجارى، و كتابه التهذيب لم يسبق إلى مثله، و لا يلحق في شكله ف(رحمهما اللَّه)، فلقد كانا نادرين في زمانهما في أسماء الرجال حفظا و إتقانا و سماعا و إسماعا و سردا للمتون و أسماء الرجال، و الحاسد لا يفلح و لا ينال منالا طائلا.
قال ابن الأثير: و فيها توفى. أبو الفتوح أسعد بن محمود العجليّ
صاحب تتمة التتمة أسعد بن أبى الفضل بن محمود بن خلف العجليّ الفقيه الشافعيّ الأصبهاني