البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٧ - سنة ستمائة من الهجرة النبويّة
تعد، و أخذوا ما كان على الصلبان و الحيطان، و الحمد للَّه الرحيم الرحمن، الّذي ما شاء كان، ثم اقترع ملوك الفرنج و كانوا ثلاثة و هم دوقس البنادقة، و كان شيخا أعمى يقاد فرسه، و مركيس الافرنسيس و كندا بلند، و كان أكثرهم عددا و عددا. فخرجت القرعة له ثلاث مرات، فولوه ملك القسطنطينية و أخذ الملكان الآخران بعض البلاد، و تحول الملك من الروم إلى الفرنج بالقسطنطينية في هذه السنة و لم يبق بأيدي الروم هنالك إلا ما وراء الخليج، استحوذ عليه رجل من الروم يقال له تسكرى، و لم يزل مالكا لتلك الناحية حتى توفى. ثم إن الفرنج قصدوا بلاد الشام و قد تقووا بملكهم القسطنطينية فنزلوا عكا و أغاروا على كثير من بلاد الإسلام من ناحية الغور و تلك الأراضي، فقتلوا و سبوا، فنهض إليهم العادل و كان بدمشق، و استدعى الجيوش المصرية و الشرقية و نازلهم بالقرب من عكا، فكان بينهم قتال شديد و حصار عظيم، ثم وقع الصلح بينهم و الهدنة و أطلق لهم شيئا من البلاد فانا للَّه و إنا إليه راجعون.
و فيها جرت حروب كثيرة بين الخوارزمية و الغورية بالمشرق يطول ذكرها. و فيها تحارب صاحب الموصل نور الدين و صاحب سنجار قطب الدين و ساعد الأشرف بن العادل القطب، ثم اصطلحوا و تزوج الأشرف أخت نور الدين، و هي الأتابكية بنت عز الدين مسعود بن مودود بن زنكي، واقفة الأتابكية التي بالسفح، و بها تربتها. و فيها كانت زلزلة عظيمة بمصر و الشام و الجزيرة و قبرص و غيرها من البلاد. قاله ابن الأثير في كامله. و فيها تغلب رجل من التجار يقال له محمود بن محمد الحميري على بعض بلاد حضرموت ظفار و غيرها، و استمرت أيامه إلى سنة تسع عشرة و ستمائة و ما بعدها.
و في جمادى الأولى منها عقد مجلس لقاضى القضاة ببغداد و هو أبو الحسن على بن عبد اللَّه بن سليمان الجيلي بدار الوزير، و ثبت عليه محضر بأنه يتناول الرشا فعزل في ذلك المجلس و فسق و نزعت الطرحة عن رأسه، و كانت مدة ولايته سنتين و ثلاثة أشهر.
و فيها كانت وفاة الملك ركن الدين بن قلج أرسلان، كان ينسب إلى اعتقاد الفلاسفة، و كان كهفا لمن ينسب إلى ذلك، و ملجأ لهم، و ظهر منه قبل موته تجهرم عظيم، و ذلك أنه حاصر أخاه شقيقه- و كان صاحب أنكوريّة، و تسمى أيضا أنقرة- مدة سنين حتى ضيق عليه الأقوات بها فسلمها إليه قسرا، على أن يعطيه بعض البلاد. فلما تمكن منه و من أولاده أرسل إليهم من قتلهم غدرا و خديعة و مكرا فلم ينظر بعد ذلك إلا خمسة أيام فضربه اللَّه تعالى بالقولنج سبعة أيام و مات فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ وَ ما كانُوا مُنْظَرِينَ و قام بالملك من بعده ولده أفلح أرسلان، و كان صغيرا فبقي سنة واحدة، ثم نزع منه الملك و صار إلى عمه كنخسرو. و فيها قتل خلق كثير من الباطنية بواسط. قال ابن