البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٣٥ - واقعة عساف النصراني
الصغار، فأخذوه و تولى عقوبته من بينهم الشجاعي فضرب ضربا عظيما، و قرر على الأموال و لم يزالوا يعاقبونه حتى كانت وفاته في عاشر صفر بعد أن احتيط على حواصله كلها. و أحضر جسد الأشرف فدفن بتربته، و تألم الناس لفقده و أعظموا قتله، و قد كان شهما شجاعا عالى الهمة حسن المنظر، كان قد عزم على غزو العراق و استرجاع تلك البلاد من أيدي التتار، و استعد لذلك و نادى به في بلاده، و قد فتح في مدة ملكه- و كانت ثلاث سنين- عكا و سائر السواحل، و لم يترك للفرنج فيها معلما و لا حجرا، و فتح قلعة الروم و بهسنا و غيرها.
فلما جاءت بيعة الناصر إلى دمشق خطب له بها على المنابر، و استقر الحال على ذلك، و جعل الأمير كتبغا أتابكه، و الشجاعي مشاورا كبيرا، ثم قتل بعد أيام بقلعة الجبل، و حمل رأسه إلى كتبغا فأمر أن يطاف به في البلد، ففرح الناس بذلك و أعطوا الذين حملوا رأسه مالا، و لم يبق لكتبغا منازع، و مع هذا كان يشاور الأمراء تطييبا لقلوبهم.
و في صفر بعد موت ابن السلعوس عزل بدر الدين بن جماعة عن القضاء و أعيد تقى الدين بن بنت الاعز و استمر ابن جماعة مدرسا بمصر في كفاية و رياسة، و تولى الوزارة بمصر الصاحب تاج الدين ابن الحنا، و في ظهر يوم الأربعاء الحادي و العشرين من صفر رتب إمام بمحراب الصحابة، و هو كمال الدين عبد الرحمن بن القاضي محيي الدين بن الزكي، و صلى بعدئذ بعد الخطيب، و رتب بالمكتب الّذي بباب الناطفانيين إمام أيضا، و هو ضياء الدين بن برهان الدين الإسكندري، و باشر نظر الجامع الشريف زين الدين حسين بن محمد بن عدنان، و عاد سوق الحريريين إلى سوقه، و أخلوا قيسارية القطن الّذي كان نواب طغجى ألزموهم بسكناها، و ولى خطابة دمشق الشيخ العلامة شرف الدين أحمد بن جمال الدين أحمد بن نعمة بن أحمد المقدسي، بعد عزل موفق الدين الحموي دعوه إلى حماة فخطب المقدسي يوم الجمعة نصف رجب، و قرئ تقليده و كانت ولايته بإشارة تاج الدين ابن الحنا الوزير بمصر، و كان فصيحا بليغا عالما بارعا.
و في أواخر رجب حلف الأمراء للأمير زين الدين كتبغا مع الملك الناصر محمد بن قلاوون و سارت البيعة بذلك في سائر المدن و المعامل.
واقعة عساف النصراني
كان هذا الرجل من أهل السويداء قد شهد عليه جماعة أنه سب النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، و قد استجار عساف هذا بابن أحمد بن حجى أمير آل على، فاجتمع الشيخ تقى الدين بن تيمية، و الشيخ زين الدين الفارقيّ شيخ دار الحديث، فدخلا على الأمير عز الدين أيبك الحموي نائب السلطنة فكلماه في أمره فأجابهما إلى ذلك، و أرسل ليحضره فخرجا من عنده و معهما خلق كثير من الناس،