البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢٣ - ذكر فتح عكا و بقية السواحل
الّذي كان بناه الملك السعيد ظاهر باب النصر، و لم يكن بدمشق أحسن منه، و وسع الميدان الأخضر من ناحية الشمال مقدار سدسه، و لم يترك بينه و بين النهر الا مقدارا يسيرا، و عمل هو بنفسه و الأمراء بحيطانه.
و فيها حبس جمال الدين آقوش الأفرم المنصوري و أميرا آخر معه في القلعة.
و فيها حمل الأمير علم الدين الدويدارى إلى الديار المصرية مقيدا. و قد نظم الشيخ شهاب الدين محمود قصيدة في فتح عكا.
الحمد للَّه زالت دولة الصلب* * * و عز بالترك دين المصطفى العربيّ
هذا الّذي كانت الآمال لو طلبت* * * رؤياه في النوم لاستحيت من الطلب
ما بعد عكا و قد هدت قواعدها* * * في البحر للترك عند البر من أرب
لم يبق من بعدها للكفر إذ خربت* * * في البحر و البر ما ينجى سوى الهرب
أم الحروب فكم قد أنشأت فتنا* * * شاب الوليد بها هولا و لم تشب
يا يوم عكا لقد أنسيت ما سبقت* * * به الفتوح و ما قد خط في الكتب
لم يبلغ النطق حد الشكر فيك فما* * * عسى يقوم به ذو الشعر و الأدب
أغضبت عبّاد عيسى إذ أبدتهم* * * للَّه أي رضى في ذلك الغضب
و أشرف الهادي المصطفى البشير على* * * ما أسلف الأشرف السلطان من قرب
فقر عينا لهذا الفتح و ابتهجت* * * ببشره الكعبة الغراء في الحجب
و سار في الأرض سيرا قد سمعت به* * * فالبر في طرب، و البحر في حرب
و هي طويلة جدا، و له و لغيره في فتح عكا أشعار كثيرة. و لما رجع البريد أخبر بأن السلطان لما عاد إلى مصر خلع على وزيره ابن السلعوس جميع ملابسه التي كانت عليه، و مركوبة الّذي كان تحته، فركبه و رسم له بثمانية و سبعين ألفا من خزانة دمشق، ليشترى له بها قرية قرحتا من بيت المال.
و في هذه السنة انتهت عمارة قلعة حلب بعد الخراب الّذي أصابها من هولاكو و أصحابه عام ثمان و خمسين. و فيها في شوال شرع في عمارة قلعة دمشق و بناء الدور السلطانية و الطارمة و القبة الزرقاء، حسب ما رسم به السلطان الأشرف خليل بن قلاوون لنائبه علم الدين سنجر الشجاعي.
و فيها في رمضان أعيد إلى نيابة القلعة الأمير أرجواش و أعطى إقطاعات سنية. و فيها أرسل الشيخ الرجيحى من ذرية الشيخ يونس مضيقا عليه محصورا إلى القاهرة، و فيها درس عز الدين القاروني بالمدرسة النجيبية عوضا عن كمال الدين ابن خلكان، و في ذلك اليوم درس نجم الدين مكي بالرواحية