البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٩٢ - الأمير الكبير جمال الدين آقوش الشمسى
التتار لما سمعوا بتفريق كلمة المسلمين، فانجفل الناس من بين أيديهم من سائر البلاد إلى الشام، و من الشام إلى مصر، فوصلت التتار إلى حلب فقتلوا خلقا كثيرا، و نهبوا جيشا كبيرا، و ظنوا أن جيش سنقر الأشقر يكون معهم على المنصور، فوجدوا الأمر بخلاف ذلك، و ذلك أن المنصور كتب إلى سنقر الأشقر. إن التتار قد أقبلوا إلى المسلمين، و المصلحة أن نتفق عليهم لئلا يهلك المسلمون بيننا و بينهم، و إذا ملكوا البلاد لم يدعوا منا أحدا. فكتب إليه سنقر بالسمع و الطاعة و برز من حصنه فخيم بجيشه ليكون على أهبة متى طلب أجاب، و نزلت نوابه من حصونهم و بقوا مستعدين لقتال التتار، و خرج الملك المنصور من مصر في أواخر جمادى الآخرة و معه العساكر. و في يوم الجمعة الثالث من جمادى الآخرة قرئ على منبر جامع دمشق كتاب من السلطان أنه قد عهد إلى ولده على، و لقب بالملك الصالح، فلما فرغ من قراءة الكتاب جاءت البريدية فأخبروا برجوع التتار من حلب إلى بلادهم، و ذلك لما بلغهم من اتفاق كلمة المسلمين، ففرح المسلمون بذلك و للَّه الحمد، و عاد المنصور إلى مصر و كان قد وصل إلى غزة، أراد بذلك تخفيف الوطأة عن الشام فوصل إلى مصر في نصف شعبان.
و في جمادى الآخرة أعيد برهان الدين السنجاري إلى وزارة مصر و رجع فخر الدين بن لقمان إلى كتابة الإنشاء. و في أواخر رمضان أعيد إلى القضاء ابن رزين و عزل ابن بنت الأعز، و أعيد القاضي نفيس الدين بن شكر المالكي، و معين الدين الحنفي، و تولى قضاء الحنابلة عز الدين المقدسي. و في ذي الحجة جاء تقليد ابن خلكان بإضافة المعاملة الحلبية إليه يستنيب فيها من شاء من نوابه. و في مستهل ذي الحجة خرج الملك المنصور من بلاد مصر بالعساكر قاصدا الشام، و استناب على مصر ولده الملك الصالح على بن المنصور إلى حين رجوعه، قال الشيخ قطب الدين: و في يوم عرفة وقع بمصر برد كبار أتلف شيئا كثيرا من المغلات، و وقعت صاعقة بالإسكندرية و أخرى في يومها تحت الجبل الأحمر على صخرة فأحرقتها، فأخذ ذلك الحديد فسبك فخرج منه أواقي بالرطل المصري. و جاء السلطان فنزل بعساكره تجاه عكا، فخافت الفرنج منه خوفا شديدا و راسلوه في طلب تجديد الهدنة، و جاء الأمير عيسى بن مهنا من بلاد العراق إلى خدمة المنصور، و هو بهذه المنزلة فتلقاه السلطان بجيشه و أكرمه و احترمه و عامله بالصفح و العفو و الإحسان
و ممن توفى فيها من الأعيان.
الأمير الكبير جمال الدين آقوش الشمسى
أحد أمراء الإسلام، و هو الّذي باشر قتل كتبغانوين أحد مقدمي التتار، و هو المطاع فيهم يوم عين جالوت، و هو الّذي مسك عز الدين أيدمر الظاهري في حلب من السنة الماضية، و كانت وفاته بها.