البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٣ - ثم دخلت سنة إحدى و سبعين و ستمائة
فانتهوا في ساعة واحدة إلى بلدة بينها و بين بغداد مسيرة سنة، و أن ذلك الرجل قال له إني سأموت في الوقت الفلاني، فأشهدني في ذلك الوقت في البلد الفلاني. قال: فلما كان ذلك الوقت حضرت عنده و هو في السياق، و قد استدار إلى جهة الشرق فحولته إلى القبلة فاستدار إلى الشرق فحولته أيضا ففتح عينيه و قال: لا تتعب فانى لا أموت إلا على هذه الجهة، و جعل يتكلم بكلام الرهبان حتى مات فحملناه فجئنا به إلى دير هناك فوجدناهم في حزن عظيم، فقلنا لهم: ما شأنكم؟ فقالوا كان عندنا شيخ كبير ابن مائة سنة، فلما كان اليوم مات على الإسلام، فقلنا لهم: خذوا هذا بدله و سلمونا صاحبنا، قال فوليناه فغسلناه و كفناه و صلينا عليه و دفناه مع المسلمين، و ولواهم ذلك الرجل فدفنوه في مقبرة النصارى، نسأل اللَّه حسن الخاتمة. مات الشيخ على في رجب من هذه السنة.
ثم دخلت سنة إحدى و سبعين و ستمائة
في خامس المحرم وصل الظاهر دمشق من بلاد السواحل التي فتحها و قد مهدها، و ركب في أواخر المحرم إلى القاهرة فأقام بها سنة ثم عاد فدخل دمشق في رابع صفر، و في المحرم منها وصل صاحب النوبة إلى عيذاب فنهب تجارها و قتل خلقا من أهلها، منهم الوالي و القاضي، فسار إليه الأمير علاء الدين آيدغدي الخزندار فقتل خلقا من بلاده و نهب و حرق و هدم و دوخ البلاد، و أخذ بالثأر و للَّه الحمد و المنة.
و في ربيع الأول توفى الأمير سيف الدين محمد بن مظفر الدين عثمان بن ناصر الدين منكورس صاحب صهيون، و دفن في تربة والده في عشر السبعين، و كان له في ملك صهيون و برزيه إحدى عشرة سنة، و تسلمها بعده ولده سابق الدين، و أرسل إلى الملك الظاهر يستأذنه في الحضور فأذن له، فلما حضر أقطعه خيزا و بعث إلى البلدين نوابا من جهته.
و في خامس جمادى الآخرة وصل السلطان بعسكره إلى الفرات لانه بلغه أن طائفة من التتار هنالك فخاض إليهم الفرات بنفسه و جنده، و قتل من أولئك مقتلة كبيرة و خلقا كثيرا، و كان أول من اقتحم الفرات يومئذ الأمير سيف الدين قلاوون و بدر الدين بيسرى و تبعهما السلطان، ثم فعل بالتتار ما فعل، ثم ساق إلى ناحية البيرة و قد كانت محاصرة بطائفة من التتار أخرى، فلما سمعوا بقدومه هربوا و تركوا أموالهم و أثقالهم، و دخل السلطان إلى البيرة في أبهة عظيمة و فرق في أهلها أموالا كثيرة، ثم عاد إلى دمشق في ثالث جمادى الآخرة و معه الأسرى. و خرج منها في سابعه إلى الديار المصرية، و خرج ولده الملك السعيد لتلقيه و دخلا إلى القاهرة، و كان يوما مشهودا. و مما قاله القاضي شهاب الدين محمود الكاتب، و أولاده يقال لهم بنو الشهاب محمود، في خوض السلطان الفرات بالجيش:
سر حيث شئت لك المهيمن جار* * * و احكم فطوع مرادك الأقدار