البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٩ - ثم دخلت سنة تسع و ستين و ستمائة
على الهدنة و وضع الحرب، بعد ما قتل من الفريقين خلق لا يحصون.
و في يوم الخميس ثامن رجب دخل الظاهر دمشق و في صحبته ولده الملك السعيد و ابن الحنا الوزير و جمهور الجيش ثم خرجوا متفرقين و تواعدوا أن يلتقوا بالساحل ليشنوا الغارة على جبلة و اللاذقية و مرقب و عرقا و ما هنالك من البلاد، فلما اجتمعوا فتحوا صافينا و المجدل، ثم ساروا فنزلوا على حصن الأكراد يوم الثلاثاء تاسع عشر رجب، و له ثلاثة أسوار، فنصبوا المنجنيقات ففتحها قسرا يوم نصف شعبان، فدخل الجيش، و كان الّذي يحاصره ولد السلطان الملك السعيد، فأطلق السلطان أهله و منّ عليهم و أجلاهم إلى طرابلس، و تسلم القلعة بعد عشرة أيام من الفتح، فأجلى أهلها أيضا و جعل كنيسة البلد جامعا، و أقام فيه الجمعة، و ولى فيها نائبا و قاضيا و أمر بعمارة البلد، و بعث صاحب طرسوس بمفاتيح بلده يطلب منه الصلح على أن يكون نصف مغل بلاده للسلطان، و أن يكون له بها نائبا فأجابه إلى ذلك، و كذلك فعل صاحب المرقب فصالحه أيضا على المناصفة و وضع الحرب عشر سنين. و بلغ السلطان و هو مخيم على حصن الأكراد أن صاحب جزيرة قبرص قد ركب بجيشه إلى عكا لينصر أهلها خوفا من السلطان، فأراد السلطان أن يغتنم هذه الفرصة فبعث جيشا كثيفا في اثنى عشرة شيني ليأخذوا جزيرة قبرص في غيبة صاحبها عنها، فسارت المراكب مسرعة فلما قاربت المدينة جاءتها ريح قاصف فصدم بعضها بعضا فانكسر فيها أربعة عشر مركبا باذن اللَّه فغرق خلق و أسر الفرنج من الصناع و الرجال قريبا من ألف و ثمانمائة إنسان، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. ثم سار السلطان فنصب المجانيق على حصن عكا فسأله أهلها الأمان على أن يخليهم فأجابهم إلى ذلك، و دخل البلد يوم عيد الفطر فتسلمه، و كان الحصن شديد الضرر على المسلمين، و هو واد بين جبلين، ثم سار السلطان نحو طرابلس فأرسل إليه صاحبها يقول: ما مراد السلطان في هذه الأرض؟ فقال جئت لأرعى زروعكم و أخرب بلادكم، ثم أعود إلى حصاركم في العام الآتي.
فأرسل يستعطفه و يطلب منه المصالحة و وضع الحرب بينهم عشر سنين فأجابه إلى ذلك، و أرسل إليه الإسماعيلية يستعطفونه على والدهم، و كان مسجونا بالقاهرة، فقال: سلموا إلى العليقة و انزلوا فخذوا إقطاعات بالقاهرة، و تسلموا أباكم. فلما نزلوا أمر بحبسهم بالقاهرة و استناب بحصن العليقة.
و في يوم الأحد الثاني عشر من شوال جاء سيل عظيم إلى دمشق فأتلف شيئا كثيرا، و غرق بسببه ناس كثير، لا سيما الحجاج من الروم الذين كانوا نزولا بين النهرين، أخذهم السيل و جمالهم و أحمالهم، فهلكوا و غلقت أبواب البلد، و دخل الماء إلى البلد من مراقى السور، و من باب الفراديس فغرق خان ابن المقدم و أتلف شيئا كثيرا، و كان ذلك في زمن الصيف في أيام المشمش، و دخل السلطان إلى دمشق يوم الأربعاء خامس عشر شوال فعزل القاضي ابن خلكان، و كان له في القضاء