البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥١ - فتح أنطاكية على يدي السلطان الملك الظاهر (رحمه اللَّه)
قلت لمن قال ألا تشتكي* * * ما قد جرى فهو عظيم جليل
يقيض اللَّه تعالى لنا* * * من يأخذ الحق و يشفى الغليل
إذا توكلنا عليه كفى* * * فحسبنا اللَّه و نعم الوكيل
و كأنهم عادوا إليه مرة ثانية و هو في المنزل المذكور فقتلوه بالكلية في ليلة الثلاثاء تاسع عشر رمضان (رحمه اللَّه). و دفن من يومه بمقابر دار الفراديس، و باشر بعده مشيخة دار الحديث الأشرفية الشيخ محيي الدين النووي. و في هذه السنة كان مولد الحافظ علم الدين القاسم بن محمد البرزالي، و قد ذيل على تاريخ أبى شامة لان مولده في سنة وفاته، فحذا حذوه و سلك نحوه، و رتب ترتيبه و هذب تهذيبه. و هذا أيضا ممن ينشد في ترجمته.
ما زلت تكتب في التاريخ مجتهدا* * * حتى رأيتك في التاريخ مكتوبا
و يناسب أن ينشد هنا:
إذا سيد منا خلا قام سيد* * * قؤول لما قال الكرام فعول
ثم دخلت سنة ست و ستين و ستمائة
استهلت هذه السنة و الحاكم العباسي خليفة، و سلطان البلاد الملك الظاهر، و في أول جمادى الآخرة خرج السلطان من الديار المصرية بالعساكر المنصورة، فنزل على مدينة يافا بغتة فأخذها عنوة، و سلم إليه أهلها قلعتها صلحا، فأجلاهم منها إلى عكا و خرب القلعة و المدينة و سار منها في رجب قاصدا حصن الشقيف، و في بعض الطريق أخذ من بعض بريدية الفرنج كتابا من أهل عكا إلى أهل الشقيف يعلمونهم قدوم السلطان عليهم، و يأمرونهم بتحصين البلد، و المبادرة إلى إصلاح أماكن يخشى على البلد منها. ففهم السلطان كيف يأخذ البلد و عرف من أين تؤكل الكتف، و استدعى من فوره رجلا من الفرنج فأمره أن يكتب بدله كتابا على ألسنتهم إلى أهل الشقيف، يحذر الملك من الوزير، و الوزير من الملك، و يرمى الخلف بين الدولة. فوصل إليهم فأوقع اللَّه الخلف بينهم بحوله و قوته، و جاء السلطان فحاصرهم و رماهم بالمنجنيق فسلموه الحصن في التاسع و العشرين من رجب و أجلاهم إلى صور، و بعث بالأنفال إلى دمشق، ثم ركب جريدة فيمن نشط من الجيش فشن الغارة على طرابلس و أعمالها، فنهب و قتل و أرعب و كر راجعا مؤيدا منصورا، فنزل على حصن الأكراد لمحبته في المرج، فحمل إليه أهله من الفرنج الاقامات فأبى أن يقبلها و قال أنتم قتلتم جنديا من جيشي و أريد ديته مائة ألف دينار، ثم سار فنزل على حمص، ثم منها إلى حماة، ثم إلى فامية ثم سار منزلة أخرى، ثم سار ليلا و تقدم العسكر فلبسوا العدة و ساق حتى أحاط بمدينة أنطاكية.
فتح أنطاكية على يدي السلطان الملك الظاهر (رحمه اللَّه)
و هي مدينة عظيمة كثيرة الخير، يقال إن دور سورها اثنا عشر ميلا، و عدد بروجها مائة و ستة