البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤٥ - ثم دخلت سنة ثلاث و ستين و ستمائة
الفرنج و جاءت البريدية بذلك. فدقت البشائر في بلاد المسلمين و فرحوا بذلك فرحا شديدا. و فيها ورد خبر من بلاد المغرب بأنهم انتصروا على الفرنج و قتلوا منهم خمسة و أربعين ألفا، و أسروا عشرة آلاف، و استرجعوا منهم ثنتين و أربعين بلدة منها برنس و اشبيلية و قرطبة و مرسية، و كانت النصرة في يوم الخميس رابع عشر رمضان سنة ثنتين و ستين.
و في رمضان من هذه السنة شرع في تبليط باب البريد من باب الجامع إلى القناة التي عند الدرج و عمل في الصف القبلي منها بركة و شاذروان. و كان في مكانها قناة من القنوات ينتفع الناس بها عند انقطاع نهر ماناس فغيرت و عمل الشاذروان، ثم غيرت و عمل مكانها دكاكين.
و فيها استدعى الظاهر نائبة على دمشق الأمير آقوش، فسار إليه سامعا مطيعا، و ناب عنه الأمير علم الدين الحصنى حتى عاد مكرما معزوزا.
و فيها ولى الظاهر قضاة من بقية المذاهب في مصر مستقلين بالحكم يولون من جهتهم في البلدان أيضا كما يولى الشافعيّ، فتولى قضاء الشافعية التاج عبد الوهاب ابن بنت الأعز، و الحنفية شمس الدين سليمان، و المالكية شمس الدين السبكى، و الحنابلة شمس الدين محمد المقدسي، و كان ذلك يوم الاثنين الثاني و العشرين من ذي الحجة بدار العدل، و كان سبب ذلك كثرة توقف القاضي ابن بنت الأعز في أمور تخالف مذهب الشافعيّ، و توافق غيره من المذاهب، فأشار الأمير جمال الدين آيدغدي العزيزي على السلطان بأن يولى من كل مذهب قاضيا مستقلا يحكم بمقتضى مذهبه، فأجابه إلى ذلك، و كان يحب رأيه و مشورته، و بعث بأخشاب و رصاص و آلات كثيرة لعمارة مسجد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أرسل منبرا فنصب هنالك.
و فيها وقع حريق عظيم ببلاد مصر و اتهم النصارى فعاقبهم الملك الظاهر عقوبة عظيمة.
و فيها جاءت الأخبار بأن سلطان التتار هولاكو هلك إلى لعنة اللَّه و غضبه في سابع ربيع الآخر بمرض الصرع بمدينة مراغة، و دفن بقلعة تلا و بنيت عليه قبة و اجتمعت التتار على ولده أبغا، فقصده الملك بركة خان فكسره و فرق جموعه، ففرح الملك الظاهر بذلك، و عزم على جمع العساكر ليأخذ بلاد العراق فلم يتمكن من ذلك لتفرق العساكر في الاقطاعات.
و فيها في ثانى عشر شوال سلطن الملك الظاهر ولده الملك السعيد محمد بركة خان، و أخذ له البيعة من الأمراء و أركبه و مشى الأمراء بين يديه، و حمل والده الظاهر الغاشية بنفسه و الأمير بدر الدين بيسرى حامل الخبز، و القاضي تاج الدين و الوزير بهاء الدين ابن حنا راكبان و بين يديه، و أعيان الأمراء ركبان و بقيتهم مشاة حتى شقوا القاهرة و هم كذلك.
و في ذي القعدة ختن الظاهر ولده الملك السعيد المذكور، و ختن معه جماعة من أولاد الأمراء و كان يوما مشهودا.